قيّمة عند العرض الأكبر على اللّه أي : موقف الحساب .
[ حقيقة الإنسان وإنّيته ]
إن قلت : إنّ الضرورة والبداهة قاضية بأنّ كلّ إنسان له أدنى إدراك يعرف نفسه وإنيّته الّتي يعبّر عنها ب « أنا » ، والحال أنّ هذا الهيكل المحسوس من أوّل صباه إلى آخر عمره لا يزال في تبدّل وتحوّل ولا يشكّ أحد في عدم عروض التبدّل والتحوّل لما عبّر عنه ب « أنا » فلا محالة لو كان الرّوح أمرا ماديّا مزاجيّا لا يسلم من عروض التبدّل والتغيّر ؟
قلت : هذا ليس بشيء فإنّ أساس هذه المغالطة إنّما هو بناء على اتحاد العالم والعلم والمعلوم ، وأمّا بناء على ما هو الحقّ من امتناع الاتّحاد فبديهيّ أنّ ما هو المعلوم بالعيان من الإنيّة المشهودة ، معلوم بالعلم ، ولولا وجود العلم لما كانت هذه الإنيّة معلومة لنا ، فلا يعقل أن يكون العلم معلوما لتأبّي ذاته عن المعلوميّة إذ كلّ شيء لا تتأبّى ذاته عن المعلوميّة فليس بعلم بل حقيقة مظلمة الذات لا بدّ أن يعرف بالعلم . والبينونة بين المعلوم والعلم بينونة صفتيّة الّتي هي من أشدّ أنحاء البينونات فالعلم ظاهر بذاته لذاته والمعلوم ظاهر بالعلم .
فما ادّعي من الكشف لا طائل تحته غير أنّه اعتراف بأنّ الإنّيّة معلومة . ولا إشكال فيه لأنّ معلوميّة الإنيّة بديهيّة وحيث إنّها معلومة بالحقيقة فتكون غير العلم بالحقيقة . فالعلم كما أنّه حاكم فصل وقول عدل بمباينة العلم والمعلوم يحكم بالحقّ بأنّ الإنيّة مفتقرة في كشف نفسها إلى العلم ولولا إفاضة العلم عليها ووجدانها العلم ، لما كان يعلم نفسها ولما يجدها أصلا فهي المظلمة الجاهلة المنوّرة بنور ربّها ، وهي إنيّة مفتقرة إلى إفاضة الحياة ، وهي العاجزة الذليلة بالحقيقة المفتقرة إلى إفاضة القدرة . قال تعالى :
« كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً » .
[ الاسراء ( 17 ) / 20 ]
تجد هذه الأنوار تارة وتفقدها أخرى ولا تزال كذلك متقلّبة بتقلّبات دون اختيار من حال صباها إلى شيخوختها حتّى تردّ إلى أرذل العمر ولا تعلم بعد علم شيئا . ولو سلّمنا أنّ ما أدّعي من الكشف والوجدان تامّ لا نسلّم كون اتّحاد العلم