الموردان موضوعين بالتشريع كي يكونا مرفوعين به ، بخلاف التعبديّات . نعم ، للشارع العفو عن العقوبة إذا تفضّل لا رفع الحكم فيما يكون قبيحا عقلا أو حراما أو واجبا كذلك .
قوله تعالى :
« وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ » .
( 152 )
قال في لسان العرب 4 / 423 : الشكر : عرفان الإحسان ونشره .
أقول : ظاهر أنّ مجرّد المعرفة بالإحسان لا يصدق عليه الشكر . إذ ربّ كفور بنعمة الغير يعرفها ويكفر بها ، فلا محالة لا بدّ من تحقّق عنوان الشكر من الإقرار القلبي وأظهر منه الإقرار القولي ونشره . ولا يصدق الشكر بالإقرار القلبي أيضا مع الاستنكاف من القول به ونشره ، فلذا لا بدّ في تحقّق الشكر على جميع التقادير من الإظهار والإبراز وإن كان يكفي الإقرار القلبي عند من لا يخفى عليه مضمرات القلوب مع عدم الاستنكاف ، فيكون من المصاديق الخفيّة للشكر .
وأمّا الشكر بالنسبة إليه تعالى فيتحقّق بصرف نعمه وآلائه في موارد رضائه سبحانه ، وهو الظاهر من موارد استعماله لازما أو متعديا إلى النعمة والمنعم .
إذا تقرّر ذلك فنقول : إنّ الشكر من حيث الحكم من الواجبات العقليّة ويستقل العقل بوجوبه . وهل هذا الوجوب بحسنه الذّاتي أو هو لازم بذاته من دون تعليل بالحسن الذاتي ؟ الظاهر هو الثاني لمناسبة المقام والمورد . فإنّ مواهبه تعالى لعباده ليست على حدّ إحسان غيره من المحسنين ، لفقرهم الذّاتي ومملوكيّتهم الذاتيّة بالنسبة إليه تعالى ، فذات العباد وما فيهم ولهم كلّه للّه وباللّه فلا يجوز إهمال هذه الحقيقة وتجاهلها لمن عرفها ولم يغفل عنها .
وفي مقابل الشكر بأقسامه ، الكفران . وله أقسام : الأوّل عدم الإقرار القلبي مع معرفة النعم والآلاء . وأشنع منه كتمان معرفتها . وأشنع منهما جحودها .
ويمكن أن يقال : إنّ الشكر من مصاديق الذّكر ، أفرد بالذكر للعناية الخاصّة به وبما يترتّب عليه وعلى ضده من الخواصّ والآثار .