وحيث إنّ الدّين الّذي اختاره اللّه وارتضاه سبحانه لأنبيائه وأصفيائه هو الإسلام :
« إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ »
[ آل عمران ( 3 ) / 19 ] ، فنسخ حكم في الشريعة السابقة بشيء من أحكام الشريعة اللاحقة ليس إلّا كنسخ حكم في الشريعة الواحدة بشيء من تلك الشريعة بعينها .
ولا يخفى أنّ ما ذكرنا من الإطلاق ، إطلاق بدليّ ، أي : من الآيات ما يجوز ويمكن أن يكون منسوخا . وهذا الإطلاق في معرض التقييد لأنّ من آياته ما لا يجري فيه النسخ . مثل الأحكام الثابتة كوجوب التّقوى وتحريم الفجور .
قوله تعالى :
« نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها »
أي : نأتي بشيء خير في الحكمة والمصلحة من المنسوخ .
ثمّ إنّه من الممكن بحسب الواقع والثبوت أن تكون للآية المنسوخة أمثال ونظائر في عرضها متساويا بعضها في الحكمة والمصلحة مع بعض آخر ، فله تعالى أن يأتي بواحدة من هذه الآيات المتساوية من حيث المصلحة سواء كانت تكوينيّة أو تشريعيّة ثمّ يأتي بواحدة أخرى بعد رفع الأولى . والكلام في تخصيص كلّ منها بزمان دون زمان مثل الكلام في اختيار الأمور المترجّحة المتساوية . ولا دليل على انحصار المثل ، بأن يكون في طول المنسوخ ومنفردا . فالمعتمد في ذلك هو ظهور الآية وإطلاقها .
واليهود قائلون باستحالة النسخ في الأحكام كما يعتقدون باستحالة التغيير والتبديل في التكوين وفي شيء من النظام الموجود . وقد ورد في القرآن الكريم التوبيخ لهم . قال تعالى :
« قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ »
[ المائدة ( 5 ) / 64 ]
في العيون 1 / 179 ، مسندا عن أبي عمرو محمد بن عمرو بن عبد العزيز الكجي قال : حدّثني من سمع الحسن بن محمد النوفلي يقول :
. . . قال الرضا عليه السّلام : . . . ثمّ التفت إلى سليمان فقال : أحسبك ضاهيت اليهود في هذا الباب .