تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩

تاسعا : القبوريّون من المسلمين :

تبدأ الانحرافات إلى الشرك على اختلاف دركاته من الغلوّ في تعظيم الصالحين ، الّذين قد يجري اللّه عزّ وجلّ لهم بعض الكرامات المادّيّة أو المعنويّة . ويتعلّق عوامّ المسلمين بقبورهم بعد موتهم ، وتعظم شجرة الاعتقاد بولاياتهم ، وبأنّهم أهل اللّه وخاصّته . ثمّ يتدرّج المعظّمون لهم إلى التوسّل بهم إلى ربّهم ، رجاء أن يحقّق اللّه لهم مطالبهم ، إكراما لهم باعتبارهم من أوليائه الصالحين . ثمّ يقوم في ظنّ هؤلاء المعظّمين للموتى من الصالحين أن يرضوهم ببذل شيء لأرواحهم ، كذبائح يذبحونها لهم ، وقربانات يتقربون بها إليهم ، وهي من نوع عبادات المشركين لأوثانهم ، وكأموال يبذلونها لأضرحتهم ، وهذه الأموال يستحوذ عليها سدنة الأضرحة ، والقائمون عليها . ويتفاقم الأمر حتى يقوم معظّمو هذه الأضرحة بأعمال تشبه الركوع والسجود والطواف ، وهي من العبادات الّتي لا تكون إلّا للّه عزّ وجلّ ، ويرافق هذه الأعمال نداء الموتى وسؤالهم أن يحققوا لهم مطالبهم في حياتهم ، ولو بالتوسل لهم ، والشفاعة لدى بارئهم ، وهذه المطالب تتعلّق بالرزق ، أو التوفيق في الأعمال ، أو الزواج ، أو الحمل والولادة ، إلى غير ذلك من مطالب الناس في حياتهم . وعندئذ تضاهي أحوال هؤلاء أحوال المشركين من أهل الجاهليّة ، ويدخلون تحت قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( النساء / 4 مصحف / 92 نزول ) :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً
( 48 ) .