وهنا يظهر للمتدّبّر أنّهم دافعوا عن عقيدتهم في آلهتهم ، وأنّ دفاعهم عنها يتلخّص بأنّ عبادة هذه الآلهة تنفع عند الرّحمن ، فإذا عبدتها كانت شفيعة لك عنده .
والجواب الذي اختاره هذا الرّجل المؤمن المجاهد بلسانه ومحاجّته ، هو ما دلّ عليه القول المحكيّ عنه في النصّ :
أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ ( 23 ) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
( 24 ) :
دلّ هذا النّصّ على أنّ هذا الرّجل المؤمن ، قد وضع قومه أصحاب القرية أمام برهان مسبوق بتجارب ، وهذا البرهان يدعم إيمانه ، ويسقط مفهوماتهم الشركيّة .
فالنّصّ يوحي بأنّه قال لهم : لقد جرّبت آلهتكم فيما نزل بي من ضرّ فيما مضى ، فدعوتها ، وعبدتها ، واستشفعت بها ، فلم تغن عبادتي ودعائي لها عنّي شيئا ، لأنّ ما نزل بي من ضرّ قد كان من اللّه عزّ وجلّ ، لا من آلهتكم ، فإن كان لها شفاعة عند اللّه كما تزعمون ، وكانت تمنح شفاعتها لمن يدعوها ويعبدها ، فقد جرّبتها في هذا فلم تنفعني شفاعتها شيئا .
إذن : فلماذا أستمرّ على عبادتها ، وحالي معها بين يدي الرّحمن هو : إن يردن الرّحمن مستقبلا بضرّ ، وعبدتها ودعوتها مستشفعا بها ، لا تغن عنّي شفاعتها شيئا عند الرحمن ، ولا هي تنقذني بوسائل غير الشفاعة ، ولا هي تدفع عنّي الضّرّ الّذي يريد أن ينزله الرّحمن بي .
ومعلوم أنّ الدّليل التّجريبيّ من أقوى الأدلّة لقياس المستقبل عليه .
وقد آثر هذا الرّجل المؤمن أن يذكر من أسماء اللّه اسم « الرّحمن » ليشعر القوم بإيمانه بأنّ ما ينزل اللّه به من ضرّ في الدنيا فإنّه مظهر من مظاهر رحمته ، لا من مظاهر غضبه ونقمته .