والقراءتان متكاملتان ، إنّهم يرجعون ، فيطاوعون فيرجعون بالجبر ، ويظهر للمتدبّر أنّ ملأ قومه قالوا له : كيف تعبد الرّحمن وحده ، ولا تعبد آلهة قومك ، آلهة آبائك وأجدادك .
فقال لهم :
وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي ؟
!
استفهام فيه معنى التّعجّب والإنكار على اعتراض قومه عليه .
أي : ما حجّتي وما هو السّلطان الّذي لي يحميني من عذاب ربّي الّذي فطرني ، وما هو النّصير المدافع عنّي الذي ينصرني فيدفع عنّي عذابه ، حالة كوني لا أعبده وهو الّذي فطرني وحده ؟ !
إنّني إذا لم أعبده وعبدت آلهتكم من دونه ، أو جعلتهم شركاء له ، دون أن يكون لي في ذلك برهان من اللّه ، فإنّني أعرّض نفسي حتما لعذابه الأبديّ ، إذ أكون كافرا به ، ولو من كفر الشّرك الّذي هو أخفّ دركات الكفر .
وهنا يظهر للمتدبّر من المطويّات أنّ القوم قالوا له : لقد عبد آباؤنا وأجدادنا من قبلنا آلهتنا ولم ينزل بهم عذاب اللّه كما تزعم ؟ ! .
والجواب المناسب الّذي قد أجابهم به قد اعتمد فيه على الإيمان باليوم الآخر ، وأنّ مرجع النّاس جميعا إلى اللّه يوم الدّين ، ليلاقوا حسابهم ، وفصل القضاء فيهم ، وتنفيذ الجزاء ، فمن آمن وعمل صالحا دخل جنّات النّعيم ، خالدا فيها مخلّدا أبدا ، ومن كفر وأجرم دخل نار جهنّم خالدا فيها مخلّدا .
وهذا يستتبع أنّهم قالوا له : أتخشى أن ترجع إلى حياة أخرى بعد الموت للحساب والجزاء من قبل ربّك ؟ !
وكان جوابه : أنا إليه أرجع وأنتم إليه ترجعون ، دلّ على هذا قوله لهم المذكور في الآية :
. . . وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
( 22 ) .