وبما أنّهم أسرى ، فالأغلال الضّيّفة العريضة تشدّ على أعناقهم ، وتدفع أذقانهم ، فيرفعون بسبب ذلك رؤوسهم وأنوفهم ، فيظهرون للرّائين مستكبرين .
وهل يوجد أذلّ وأحقر من الأسير ، الّذي يجرّ بسلسلة معقودة بغلّ يطوّق عنقه ؟ ! .
هكذا صوّر اللّه عزّ وجلّ حالة هؤلاء المعاندين المستكبرين ، الّذين رفضوا دعوة الرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم من كبراء مشركي أهل مكّة حينئذ ، ويلحق بهم أشباههم في كلّ عصر وفي كلّ أمّة .
* * *
قول اللّه تعالى :
وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
( 9 ) :
( سدا ) و ( سدا ) على القراءتين المتواترتين ، بفتح السّين وضمها :
هو الحاجز بين شيئين ، ومنه سدّ الصين ، وسدّ ذي القرنين ، والسّدّ الّذي يحجز الماء .
فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ :
أي : فجعلنا على بصائرهم غشاء ، الغشاء والغشاوة : الغطاء السّاتر .
أي : وجعلنا بمقتضى سنننا السّببيّة ، وقوانيننا في النفوس ذوات الإرادات الحرّة المبتلاة في ظروف الحياة الدنيا ، حاجزا من أمامهم وحاجزا من ورائهم ، يحجب عنهم الرّؤية كيفما استداروا ، لأنّهم اختاروا لأنفسهم ظلمات الكفر والجحود ، واتّباع الأهواء والشهوات ورغبات الفجور ، ومواقع هذه الظّلمات محجوبة عن مواقع أنوار الهداية الرّبّانيّة .
واقتصر النصّ على ما بين أيديهم وما خلفهم ، لأنّ ما بين يدي