إنزال عقاب معجّل في الدنيا ، قبل الحكم بالضلال يوم الدّين والعقاب في جهنّم دار الظالمين المجرمين .
وقد تقتضي حكمته جلّ جلاله إمهال المكذّبين ، وتركهم في طغيانهم يعمهون ، حتّى تأتي آجالهم المقدّرة لكلّ واحد منهم ، فيموتون فيها ، وينالون طرفا من عذابهم بعد موتهم ، في مدّة البرزخ بين الموت والبعث ، ثمّ يبعثون ويحاسبون ، ويحكم العزيز الجبّار عليهم بالضلال في محكمة العدل العظمى ، ويساقون إلى دار عذابهم الأبديّ .
والحكم على الضالين يكون بحسب منازلهم في دركات الضّلال وشدّة ما ارتكبوا من جرائم .
الأمر الثاني : الحكم لمن اهتدى في رحلة امتحانه بالهداية ، وبأنّه من المهتدين الّذين يستحقّون دخول الجنّة ، والخلود فيها .
والحكم للمهتدين بالهداية يكون بحسب درجاتهم في الهداية ، ومنهم العصاة الّذين يستحقّون عذابا أقلّ من الخلود في دار العذاب . ثمّ يكون مصيرهم إلى الجنة خالدين فيها بفضل اللّه ، لأنّهم ماتوا على إيمان صحيح ، مهما كانوا قد أسرفوا على أنفسهم بالمعاصي والمخالفات ، ويكون تعذيبهم بمثابة التطهير لهم ممّا حملوا من أرجاس الآثام والخطايا .
وقد جاء في الآية بيان أنّ من يحكم اللّه عليه بالضّلال ، فلا يوجد أحد يستطيع أن يحكم له بالهداية من دون اللّه ، سواء أكان ذلك في الحياة الدنيا قبل الموت ، أم كان في الآخرة ، لأنّ اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه ، هو الذي وضع عباده الممتحنين موضع الامتحان ، فهو الذي يحاسبهم ، ويحكم عليهم ، ويجازيهم وحده لا شريك له .
ويفهم بالمقابل - ولو لم يصرّح به في الآية - أنّ من يحكم له بالهداية ، فلا يوجد أحد يستطيع أن يحكم عليه بالضلال من دون اللّه .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 77
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٧٧