اكتشفنا في عصرنا الحاضر من المصغّرات الذّرّيّة المتداخلة ما لو انتشر وكبر بخصائصه لملأ العالم ، وقدرة اللّه أعظم وأجلّ .
إنّ خلق اللّه المتقن خلق مدهش محيّر ، سواء فيما أتقن من المصغّرات الّتي قد يجمع مقدار رأس الإبرة منها ، عشرات ملايين الوحدات ذوات الصفات الخاصة ، الّتي لو كبّرت لكانت خلقا مدهشا . أم فيما أتقن - جلّ جلاله - من المكبّرات اللّاتي لا يستطيع الوهم إدراك مداها .
والمراد بالأخذ هنا القبض والاستخراج من مستقرّ أصلاب الذكور ، للذّرّيّة الإنسانيّة كلّها ، المقدّر إيجادها في أزمانها المحدّدة لظهورها في حياة الابتلاء على هذه الأرض .
قول اللّه تعالى :
وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا . . .
( 172 ) .
أي : جعلهم يشهدون على أنفسهم بأنّه ربّهم ، خالقهم وممدّهم بعطاءات ربوبيّته ما داموا في الوجود ، ومهيمن على كلّ شيء فيهم .
وهذا يدلّ على أنّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - قد عرض عليهم ما شاهدوا به أفعال ربوبيّته لهم ، فلمّا شاهدوها شهدوا بأنّه ربّهم ، ويدلّ أيضا على أنّه منح مصغّرات ذرّيّة آدم حينئذ وعيا إدراكيّا لفهم الخطاب ، ولفهم معنى الرّبوبيّة ، ولفهم معنى الإقرار والشهادة على أنفسهم ، وبعد ذلك أشهدهم على أنفسهم .
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ :
استفهام تقريريّ عن نفي ربوبيّته لهم ، وجوابه في حالة إثبات الرّبوبيّة يكون بحرف « بلى » إذ هو حرف جواب يختصّ بالنّفي ، ويفيد إبطاله وإثبات نقيضه ، ولا يصلح في هذا الاستفهام ولا في أمثاله الجواب بحرف « نعم » لأنّه يدلّ على الإقرار بنفي ربوبيّته لهم ، فكأنّهم قالوا : نعم لست بربّنا ، وهذا نقيض ما أشهدهم عليه .