تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
استفاد شعيب عليه السّلام من إصدار ذوي السّلطان في قومه قرارهم التخييريّ بين الإخراج بالقوّة من أرض مدين ، وبين العودة في ملّتهم ، فأخذ جانب الإكراه على العودة عن دينه الحقّ والدّخول في ملّتهم ، ليناظرهم ولقيم الحجّة عليهم ، بأنّه لا يصحّ في العقل ، ولا في الوجدان ، ولا في أعراف الحرّيّة الإنسانيّة الشخصيّة ، إكراه الإنسان على اعتقاد واعتناق دين والإيمان به ، وهو مقتنع فكريّا بالبرهان القاطع أنّه باطل ، وبسبب بطلانه يكره أن يعتنقه ويلتزم لوازمه . فناظر كبراء قومه مناظرة جدليّة مفحمة ، حول هذه القضيّة ، واشتملت مناظرته على ثلاث مقولات جدليّة ، وأعقبها ببيان ثباته على موقفه من دينه ، متوكّلا على اللّه ، مهما كانت النتائج والتّدبيرات الّتي يدبّرونها ضدّه وضدّ الّذين آمنوا معه ، وبدعاء سأل اللّه عزّ وجلّ فيه أن يفتح بينه وبين قومه بالحقّ ، مثنيا عليه بأنّه خير الفاتحين . المقولة الجدليّة الأولى : دلّت عليها بإيجاز عبارة :
قالَ أَ وَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ :
أي : أتكرهوننا على العودة عن ملّتنا والدّخول في ملّتكم ولو كنّا كارهين ترك ديننا والدّخول في ملّتكم ؟ ! إنّ الكاره لترك الإيمان بقضيّة يؤمن بها بقلبه ، لا يمكن أن يتركه ، إذ الإيمان إرادة داخليّة لا يعرفها أحد من الناس إلّا صاحبها . وإنّ الإكراه على الإيمان بقضيّة يعلم المكره عليها أنّها قضية باطلة ، لا يمكن أن يوجد إيمانا بها ، إذ الإيمان إرادة داخليّة لا يعرفها أحد من الناس إلّا صاحبها . لكن قد يكره الإنسان على إعلان الكفر بما هو مؤمن به ، فيعلن ذلك وهو كاذب ، وقد يكره على إعلان الإيمان بما هو كافر به ، فيعلن ذلك وهو كاذب . فعبارة :
أَ وَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ
مع ما فيها من إيجاز بالغ تدلّ على
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 418 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني