وأقول : ما ذكره الزجّاج أحسن مما ذكره غيره من تأويلات لا داعي لها ، فالاستعمال جار في هذا اللفظ « ميّت » على ما يستعمله العرب ، والقرآن شاهد عليه .
والمراد بإحياء البلدة إحياء النّباتات فيها ، من البزور والجذور المنبثّة فيها ، وهذا إطلاق مجازيّ من نوع المجاز المرسل ، والعلاقة فيه إطلاق المحلّ وإرادة ما يحلّ فيه ، أو يخرج منه .
وهل المراد بالإحياء تشبيه إنماء النّباتات بإحياء الحيوانات ذوات الحركات الإراديّة ، على ما أدركنا من صفاتها ، أم أنّ الحياة في الكون ذات مراتب ودرجات في هذه المراتب ، ويظهر لنا من هذه المراتب ما يلي :
الأولى : مرتبة حياة النباتات ، ذوات الخلايا الخاصّة بها .
الثانية : مرتبة حياة الخلايا في أجساد الحيوانات ذوات الحركات الإراديّة ، وبعض الإحساسات .
الثالثة : مرتبة الحياة الكلّيّة للحيوانات ذوات الحركات الإراديّة ، وجملة مجتمعة من الإحساسات المصحوبة بمشاعر اللّذّة والألم ، ويحتلّ أعلى درجات سلّمها الإنسان .
والأرجح فيما أرى واللّه أعلم : أن الحياة ذات مراتب متفاضلات ، وذات درجات متفاضلات في كلّ مرتبة .
فالحياة جنس كلّيّ يدخل تحته أنواع متفاضلة ، ويدخل تحت الأنواع منها أصناف متفاضلة أيضا .
وبدء هذا السّلّم ذي المراتب والدرجات المتفاضلات يمكن تحديد أدناه من وحيد الخليّة بحسب مدركاتنا ، فمتعدّد الخلايا في وحدة يحكمها نظام عامّ .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 65
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٦٥