الموتى بعد أن يصيروا ترابا ، متعامين عن آية اللّه السابقة والدائمة ، التي ينشئ بها الأحياء النشأة الأولى من ماء وتراب ، ضمن حلقات سببيّة في سلسلة إنشائه الأحياء جلّ جلاله .
فجاء الإضراب بلفظ « بل » دليلا على هذا الكلام المطويّ ، وهذا من بديع الإعجاز القرآني ، الذي يعتمد على منطقيّة التحليل .
وقد جاء الحديث عن الذين كفروا بالرّسول وبيوم الدّين من مشركي مكّة بضمير الغائبين ،
بَلْ عَجِبُوا
دون أن يسبق في سورة ( ق ) حديث عنهم ، اعتمادا على عدّة قرائن تحدّد المراد .
القرينة الأولى : أنّ سورة ( ق ) قد نزلت عقب سورة ( المرسلات ) التي دارت آياتها حول معالجة المكذّبين ، وتكرّر فيها قول اللّه عزّ وجل :
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
( 15 ) .
القرينة الثانية : يعلم من واقع الحال إبّان نزول هذه السّورة ، ومما جاء بعد ضمير الغائبين أنّ المكنّى عنهم بالضمير هم المكذّبون للرسول والمكذبون بيوم الدّين ، فواقع الحال يكشف أنّ القوم ثلاثة أقسام :
( 1 ) قسم آمن بالرّسول وبما جاء به ، واتّبعوه ، وهؤلاء لا يعجبون ولا ينكرون ، فهم غير مقصودين حتما .
( 2 ) وقسم لم يؤمن بعد ولم يكفر ، لأنّه لم يناقش قضيّة الرسول ولا قضيّة البعث للحساب وفصل القضاء وتحقيق الجزاء ، فلم يبد في القضيتين رأيا لا بالنفي ولا بالإثبات ، وهؤلاء غير مقصودين أيضا ، إذ لم يعلنوا إنكارهم ، ولا تكذيبهم .
( 3 ) والقسم الثالث : هم الذين أعلنوا كفرهم وإنكارهم ، ولم تكن حجتهم إلّا أنّهم تعجبوا أن جاءهم منذر بشر منهم ، وتعجّبوا من قضيّة البعث ، فقالوا : أئذا متنا وكنّا ترابا سوف نرجع إلى الحياة مرّة أخرى