تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 665

مساهمون:

ص٦٦٥
الشّاكّ ، أو تكون حالتهم النفسيّة في قلق ، أو اضطراب ، أو حزن ، أو خوف ، أو أيّ انفعال آخر يجعل تصوّراتهم للأشياء رجراجة مهتزّة ، غير واضحة ولا نقيّة ، فهم بحاجة إلى ما يسكّن نفوسهم ويعيدها إلى سوائها ، ومن وسائل ذلك التأكيد بالقسم . ودلّني الاستقراء القرآنيّ ، مع التدبّر المتأنّي على أنّ من المستبعد جدّا ، أن يقسم اللّه الرّبّ الحكيم بأمور غيبيّة هي ممّا ينكره المقصودون بالخطاب أو يشكّون فيه ، على قضيّة غيبيّة أخرى لتأكيدها . فالأمور الغيبيّة الّتي لا يؤمن بها الذين يوجّه لهم الخطاب متساوية لديهم إنكارا لها ، أو شكّا فيها ، والقسم ببعضها لتأكيد بعضها الآخر مساو لعكسه ، وهو في العادة لا يعطي قوّة ولا ترجيحا ، وحكمة الرّبّ الحكيم أجلّ ، فمن غير المقبول في العقول ، أن يقسم الرّبّ جلّ جلاله لمنكر البعث أو الشّاك فيه ، على أنّه حقّ ، بملائكة مرسلات ، وهو أيضا ينكرها ولا يؤمن بها . والواجب على متدبّر كلام اللّه في كتابه المجيد أن يمعن النظر ، ويمدّ تفكّره وتدبّره بمزيد من الصّبر والتّأنّي ، ومتابعة التفكّر والتدبّر ، حتّى يفتح اللّه عليه بالفهم الصحيح المطابق لمراده من كلامه . هذا ما جعلني أستبعد الآراء التي ذكرت في تفسير ما أقسم اللّه به في صدر سورة ( المرسلات ) باستثناء الرّياح ، لأنّها من آيات اللّه الكبرى المشهودة في الكون ، أقسم اللّه بها لمنكري البعث للحساب ، وفصل القضاء ، وتحقيق الجزاء ، على أنّ ما يوعدونه لواقع حتما ، ومثل هذا القسم معقول ومقبول ، وهو يتضمّن حجّة على قدرة اللّه ، وعلى قانون الجزاء الذي هو ثمرة حكمة الابتلاء ، فقد كانت الرّياح في تاريخ الأمم سببا في إهلاك مجرمي أهل القرون الأولى .