وأتبع هذا العرض بتوجيه طائفة من الأدلّة على قانون الجزاء الرّبّاني ، في خطّة الخالق الرّبّ جلّ جلاله وعظم سلطانه ، وعلى قدرته على إعادة الموتى إلى الحياة بعد فناء أجسادهم وتفرّقها في تراب الأرض .
وأتبعت هذه الأدلّة بعرض مشهد رهيب من مشاهد يوم الدّين ، منتزع ممّا سوف يكون للكافرين المكذّبين بيوم الدين ، وأتبع هذا المشهد بعرض مشهد آخر منتزع ممّا سوف يكون من نعيم للمتّقين وللمحسنين ، ويفهم من ذلك لزوما أنّه سوف يكون أيضا للأبرار الّذين هم أصحاب المرتبة الوسطى فوق مرتبة المتقين ، وتحت مرتبة المحسنين .
ثمّ جاء في السورة توجيه خطاب تهديديّ من الرّبّ جلّ جلاله وعظم سلطانه ، للمكذّبين بيوم الدّين ، يخاطبهم فيه بقوله :
كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ ( 46 ) .
أي : وأنتم بسبب كونكم مجرمين تستحقّون الوعيد الشّديد بالمقالة الّتي جاء تكريرها في السّورة عشر مرّات ، بفنّيّة بارعة عقب كلّ مفصل من مفاصل موضوعها :
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 47 ) .
وأخيرا جاء في السّورة بيان أنّ من مظاهر كبر المكذّبين بيوم الدّين على ربّهم ، واستنكافهم عن عبادته ، في سلوكهم الدائم ، أنّهم إذا قيل لهم اركعوا لربّكم لا يركعون ، مع أنّه قد سجد له في الوجود كلّ خاضع لسلطانه بالجبر ، وسجد له من في السّماوات ، وسجد له المؤمنون به في الأرض بإراداتهم طوعا .
ولمّا اشتملت سورة المرسلات على كلّ هذه العناصر التي تخاطب العقول بالدّلائل والبراهين والآيات ، وتلامس محوري الخوف والطّمع في عمق النفس الإنسانيّة ، وتعرض طائفة من المشاهد المنتزعة من الواقع الذي