خضوعا تامّا لما يجريه اللّه فيها بسلطان الجبر ، وكذلك سائر الأكوان :
« الشمس والقمر والنجوم والجبال والشّجر والدوابّ » كلّها ساجدة للّه ( أي :
خاضعة للّه خضوعا تامّا بسلطان الجبر ) . أمّا الجانب الاختياري الإراديّ من الناس ، فكثير من الناس ساجدون للّه أيضا سجودا اختياريّا إراديّا ، وكثيرون آخرون غير ساجدين سجودا اختياريا لبارئهم ، وهؤلاء قد حقّ عليهم العذاب ، وسيهينهم اللّه لأنّهم استكبروا عن السجود الاختياريّ الإراديّ له ، مع سجود سائرهم له سجودا جبريا .
السجود : هو كمال الخضوع ، ومن تعبيراته لدى ذوي الإرادات وضع الجبهة على الأرض خضوعا للّه .
واقتضت المناسبة في السورة تكرير الاستشهاد بظاهرة حركة الأرض حول نفسها باتجاه الشمس ، وهي الحركة التي يتسبّب عنها دوران النهار واللّيل حول كرة الأرض .
وجاء التعبير عن هذه الظاهرة ، بعرض صورة المشهد ، لمن يشاهد من جوّ الأرض تلاحق اللّيل والنهار ، فيتخيّل أنّ اللّيل يلج في النّهار كما تبلع الحيّة العريضة البيضاء الّتي يستوعب عرض فمها عرض الأفق ، الحيّة العريضة السوداء من جهة ذيلها العريض الذي هو على قدر فم البيضاء ، هذا من جهة شروق الشمس ، أمّا من جهة غروب الشمس فالحيّة السّوداء هي الّتي تبتلع الحيّة البيضاء ذات الجسم العريض كعرض الأفق ، وتدور دائرتهما والجا ومولوجا به .
وفي هذا تنبيه أدبيّ بديع على صورة هذا المشهد العجيبة .
وقد يكون المراد بالولوج تناقص زمن اللّيل أحيانا لحساب طول النهار ، وتناقص زمن النهار أحيانا لحساب طول اللّيل ، واللّه أعلم .
* * *
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 344
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٣٤٤