والصنف الّذي اهتدى بنفسه ، وقام يدعو الناس إلى الهدى ويأمرهم بتقوى اللّه والحذر من عقابه يوم الدّين ، قد جاء التّعبير عنه بقول اللّه عزّ وجلّ :
أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى
( 12 ) أي : أو كان على الهدى وأمر بالتّقوى ، فهو متمكّن من الهدى وحامل مسؤولية الهداية .
والصنف الذي ضلّ بنفسه دون أن يحمل مهمّة إضلال المهتدين ، قد جاء التعبير عنه بقول اللّه عزّ وجلّ :
أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى
( 13 ) أي : كذّب النبيّ وكذّب بما نزل به الوحي ، وتولّى مدبرا منصرفا لأموره الخاصّة من أمور دنياه .
وهكذا استوفى البيان البديع أصناف الناس أجمعين تجاه دعوة الحقّ والهدى الّتي جاءت بها الرّسالة الرّبّانيّة .
ولا بدّ أن ندرك أنّ كلّ صنف من هؤلاء الأصناف الأربعة يقع في درجات أو دركات متفاوتات صاعدات أو نازلات .
فالمهتدون في أنفسهم على درجات ، فمنهم السابقون في الخيرات ، ومنهم المقتصدون الّذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيّئا ، ومنهم الظالمون لأنفسهم بالمعاصي الّتي أسرفوا في ارتكابها .
والمهتدون الداعون إلى الهداية الآمرون بالتقوى على درجات أيضا ، هداية في أنفسهم ، وقياما برسالة الدّعوة إلى اللّه .
والضّالّون المضلّون في دركات ، فبعضهم أسوأ من بعض ، وأخسّ وأحطّ في الدّركات ، وأقبحهم وأشنعهم أئمّة الضّلال في الأرض ، ولا سيما إذا كانوا يملكون قوّة وسلطانا ، ومنازلهم يوم الدّين في الدّرك الأسفل من النار .
والضّالّون في أنفسهم دون أن يحملوا مهمّات إضلال غيرهم ، هم في دركات أيضا ، ودركاتهم تنحطّ بحسب شدّة ضلالهم ، وممارساتهم للشّرور ،