فدلّ هذا النصّ على أنّ من ظواهر السلوك الإنسانيّ ، أنّه يطغى إذا رأى أنّه استغنى ، وهذه الظّاهرة مشاهدة في الواقع الإنسانيّ بنسبة غالبة جدّا .
والحكم في هذا النّصّ القرآنيّ حكم على الجنس ، والحكم على الجنس لا يعني استغراق جميع أفراده .
الطغيان في اللّغة : هو تجاوز حدود الحقّ والعدل ، أو الخير والمصلحة والمنفعة ، أو مستوى الأمر الحكيم .
تقول لغة : طغى البحر ، إذا هاجت أمواجه . وطغى الماء ، إذا ارتفع وعلا عن حدّه النافع فأغرق وأتلف . وطغى فرعون : أي : ظلم وعتا وتجبّر . وطغى الكافر : أي : أمعن في جحوده لخالقه ومعصيته أوامره ونواهيه .
( استغنى : ) الاستغناء هو في الأصل امتلاك الأشياء الّتي تجعل مالكها غنيّا بها عن غيره ، غير محتاج إلى أحد .
وهذا الاستغناء يكون بالمال ، ويكون بالقوّة والسلطان ، ويكون بالصحّة والعافية ، ويكون بالأتباع والأنصار ، ويكون بامتلاك كلّ ما يحتاج إليه ، ويكون الاستغناء عن الشيء أيضا بعدم الحاجة إليه أصلا .
والاستغناء قد يكون حقيقيّا ، وهو للّه تعالى وحده ، فاللّه عزّ وجلّ هو الغني في ذاته ، بصفات الكمال التي هي له ، وهو المالك لكلّ شيء ، وهو الغنيّ في ذاته عن كلّ شيء من دونه .
وقد يكون الاستغناء شعورا نفسيّا كاذبا ، يراه الإنسان لنفسه ، وهو في حقيقة حاله فقير لربّه ، محتاج إليه في كلّ مطلب من مطالبه ، وقد جعله ربّه محتاجا لأشياء كثيرة ، واللّه وحده هو الذي يخلقها ويهيّئها له ، ضمن سننه في كونه .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 57
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٥٧