وذكروا في الاستدلال عمل أهل المدينة إلى زمن الإمام مالك ، أنّه لم يسمع أحد منهم قرأبسم اللّه الرّحمن الرّحيم في الصّلاة الجهريّة .
أقول : هذه الأدلّة لا تنفي كونبسم اللّه الرحمن الرحيم آية من سورة الفاتحة ، أو آية فذّة تتلى قبل الفاتحة ، بل تثبت أنّهم لم يكونوا يجهرون بها كما يجهرون بالآيات الأخرى من السّورة .
فالموضوع بين الجهر وعدم الجهر بتلاوةبسم اللّه الرحمن الرحيم ، وأدلّة عدم الجهر معارضة بأدلّة الجهر بها الّتي سبق ذكرها ، ولا شكّ أنّ أدلّة عدم الجهر بها أقوى ، إلّا أنّها عمل يمكن أن يحمل على أفضليّة عدم الجهر بها ، لا على وجوبه ، وقد التزم أبو بكر وعمر وعثمان وأهل مدينة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم بما هو الأفضل .
والأمر يسير فمن جهر بها في الصلاة الجهريّة فقد اتّبع السّنّة ، ومن لم يجهر بها فقد اتّبع السّنّة ، وعمل بما هو الأفضل .
ويبدو أنّ إثبات كون
« بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » *
جزءا من أوّل كلّ سورة غير سورة « براءة » أو كونها آية فذّة تتلى قبل السّور الّتي كتبت
« بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » *
في مطالعها سطرا منفصلا ، في نسخ المصحف الإمام الّتي وزّعت في عهد عثمان على الأمصار ، هو الأرجح .
فكتابتها في المصاحف المذكورة ، الّتي لم يكتب فيها شيء غير القرآن ، مع الأحاديث الّتي جاء فيها ما يدلّ على أنّ الرّسول تلاها قبل
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
( 2 ) إلى آخر فاتحة الكتاب ، ومع الإجماع على أنّ ما بين دفّتي المصحف كتاب اللّه ، كافية لإثباتها قرآنا ، لأنّها مجتمعة بقوّة المتواتر .
* * *