فأين هذه البلاغة الأدبية والمعنوية البارعة على اختصار الآية وسائر تعبيرات البلغاء كقتل البعض إحياءٌ للجميع - أكثروا القتل ليقل القتل ، ومن بغلوها عندهم وافصحها : القتل أنفى للقتل ! .
ف
« الْقِصاصِ »
هي أعَم من القتل ، و
« حَياةٌ »
تعم كل مراحلها و
« وَلَكُمْ »
تعم كل المسلمين ، و
« أُولِي الْأَلْبابِ »
تربط تلك الحياة العظيمة كحصيلة للقصاص بحكم الألباب ، خارجاً عن قشرية الرحمة وهمجية المهجمة غير العادلة ، ولا تجد عبارة كهذه البالغة المدى ، البليغة المعنى على إيجازها طول تاريخ الحقوق وعَرضه ، مما يجمع بين جمال التعبير وجلال المعنى وشموله لكافة المتطلَّبات العادلة في حقل القصاص . . وهنا
« فِي »
تعني ظرف القصاص وجوَّه لا نفسه ، فان نفسها ليس حياتاً وإنما فيها حياةٌ ، ثم وتنكير حياة تفخيم لها وتوسعة لحقولها ، و
« الْقِصاصِ »
المعرف تعريف بما يقصه القرآن من قصاص عادلة يسمح فيها بالعفو بعضاً أو كلًاّ ، ولا ينبئك مثلُ خبير بهكذا التعبير العبير .
فليس القصاص في شرعة القرآن انتقاماً جافاً جافياً وإرواءً للأحقاد ، بل هي في سبيل الحياة ، واستحياءً للقلوب واستجاشة لتقوى اللَّه .
فليست لتقوم شرعة ولا حكومة أخرى بغير القصاص الخاص المنتهي ب
« لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ »
ولا يفلح قانون ولا يتحرج متحرج ، ولا تكفي التنظيمات الخاوية من روح التقوى صداً عن الطغوى .
فالتقوى هي التي تحمل القاتل على الاعتراف بالجريمة في محكمة الشرع كما حصل كراراً زمن الرسول صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام ، فلقد كانت هنالك التقوى هي الحارسة اليقظة داخل الضمائر المؤمنة وفي حنايا قلوبهم ، إلى جانب الشرعة النيرة البصيرة بخفايا القلوب .
فهل إن شرعة القصاص بعدُ همجية وجفاوة خلاف الحفاوة الإنسانية ، كما تقول الحضارة المادية المتفرنجة : إذا كان القتل الأول فقداً فالثاني فقد على فقد ، ثم وهو من القسوة وحب الانتقام ، البعيدة عن ساحة الإنسان العطوف الرؤوف ، وبالإمكان تأديب القاتل بما دون قتله .
ثم إن جريمة القتل ليست إلّا خلفية أوتوماتيكية لإنحراف الروح ومرض النفس ،