ينتزع منهم رداء الربوبية المزعومة لهم ، ورداء الحكم المدعى منهم ، فيرده إلى اللَّه رب العالمين ، كما ستواجهه معارضة أصحاب المصالح المتغلين بكل ظلم وزور ، ومعارضة الطامعين في أموال أصحابها وسلطات ذوي السلطان ، ثالوث من المعارضات لحكم اللَّه .
ذلك
« وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ »
أياً كانوا وأيان ، حيث الشرطية تخرج حكم الكفر عن كل ملابسة خاصة فتنطلق حكماً عاماً صارماً يحلِّق على كل من يحملها دون إبقاء .
وهذه السلبية أمام ما أنزل اللَّه تختص بالذين يحكمون حيث هم في ظروف الحكم ، فالعارف بحكم اللَّه ، المسؤول عنه وهو في موقف التساءُل ، إذا اتخذ الجانب السلبي دون أي عذر
« فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ »
فكيف - إذاً - حال من حكم في موقفه هذا بغير ما أنزل اللَّه ؟ فأولئك هم أشد كفراً .
فكما الساكت عن الحق في مجال النطق به شيطان أخرس ، كذلك الناطق بالباطل هو أشطن من الساكت عن الحق ، فإذا كان الحق هو حكم اللَّه كان الناطق بغير ما أنزل اللَّه أكفر ممن
« لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ »
.
وفي رجعة أخرى إلى الآية نقول : الحاكم الأوَّل بما أنزل اللَّه هم
« النَّبِيُّونَ »
أياً كان ما
« أَنْزَلَ اللَّهُ »
فحق لأفضل النبيين محمد صلى الله عليه وآله أن يحكم بين أهل التوراة بتوراتهم وكما حكم مهما وأفق حكم القرآن وكما « ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وآله قال : لما نزلت هذه الآية : نحن نحكم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الأديان » . « 1 »
فليس
« النَّبِيُّونَ »
هنا تختص بأنبياء التوراة ، بل ونبينا - وبأحرى - في ذلك الحكم ، فإنه
« النَّبِيُّونَ »
أجمع ، وهو أوّل المسلمين أجمع ، فقد يحكم
« لِلَّذِينَ هادُوا »
بتوراتهم كما يحكم لأهل الإنجيل بإنجيلهم ، الخارج في حكمه بهم عن تدجيلهم ، ويحكم لأهل القرآن بالقرآن :
« فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ »
ذلك ، وعلى الحاكم بين عباد اللَّه أن يحكم بما أنزل اللَّه ، على ضوءِ
« هُدىً وَنُورٌ »
هامش
( 1 ) الدر المنثور 3 : 286 عن قتادة وذكر لنا . . . وفيه عن الحسن في الآية : النبي صلى الله عليه وآله ومن قبله من الأنبيائ ويحكمون بما فيها من الحق