فأدعيتهم للأبناء هي خير الدعوات .
ومن ثم حكم بكونهم أقرب لهم نفعاً بعد موتهم في البرزخ حيث الأبناء أحياء ، انهم يرثون آباءهم أكثر من أبناءهم .
ففي ذلك الإنشاء الإخبار والإخبار الانشاء قضاءٌ على زعم حرمان الآباء عن المواريث كما كانوا محرومين في الجاهلية ، وزعم آخر أن الأبناء هم أقرب نفعاً للآباء فليورثوهم أكثر مما يورثون الأبناء .
فالمحور في أكثرية الميراث هو الأقربية نفعاً إضافة إلى الأقربية رُحماً .
فهذه لفتة بارعة لتطييب النفوس تجاه ما فرض اللَّه ، فإنها بين إيثار الأبناء على الآباء قضيةَ الضعف الفطري تجاه الأبناء ، وبين مغالبته بالمشاعر الأخلاقية والأدبية فالمعاكسة إيثاراً للآباء على الأبناء وعوان بينهما تحيُّراً في التخيُّر ، فيسألون - إذاً - ويخبرون
« آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ . . . »
.
وقد يستفاد منه أنه لا يرث قاتل المورث لزوال النفع من البين ، ثم
« لا تَدْرُونَ »
قد يعني كلا الإخبار وسؤال التنديد ، فمن لا يعلم فليعلم ، ومن يعلم فكيف يعامل كأنه لا يعلم ؟ ! .
وهنا أسباب أخرى لتفضيل الأولاد على الآباء في نصيب الإرث ، منها أن حاجة الأولاد أكثر من الآباء حيث الأولاد هم بعدُ في بناء المعيشة ، والآباء بالغون ما بلغوا فيها ، فأولئك - إذاً - أحوج من أولاء ، وان الأولاد ليس لهم من يكفلهم بعد الآباء ، والآباء مكفولون بالأولاد ومكفيون بما حصلوا عليه ، كما الآباء أقل مؤنة لقربهم إلى الموت دون الأبناء ، فليكن الآباء أقرب نفعاً للأولاد بعد موتهم كما هم أقرب لهم نفعاً في حياتهم .
وبصيغة أخرى هنا نشآت ثلاث : 1 - الدنيا 2 - والبرزخ 3 - والآخرة ، ونفع الآباء حال حياتهم أكثر للأبناء وكذلك في الآخرة ، فليكونوا - كذلك - أكثر لهم نفعاً في البرزخ بعد موتهم وهم أولاء أحياء .
ومن واجهة أخرى لما كان الآباء أكثر نفعاً في مثلثة النشآت ، فليكن الأبناء نافعين لهم لأقل تقدير في الميراث ، وقد كانوا يحرمون الوالدين ، فندد بهم ذلك الحرمان الظالم .