حيث تبدأ من قضية الفطرة ، المتكاملة فيها وفيما بعدها بقوانين الشرعة التي تعمم ذلك التكافل .
فشعور الفرد بأن جهده سيعود بأثرة على المختصين به نسباً أو سبباً ، إنه يحفزه إلى مضاعفة جهده ليحفظه في استمرارية كيانه وهي الأقربون .
وفي ذلك نتاج مباشر للأقربين ، وآخر غير مباشر للجماعة المسلمة حيث الإسلام ليس ليقيم الفواصل بين الأفراد والجماعات ، فكل ما يملكه الأفراد هو بالنتيجة للجماعة وكل ما تملكه الجماعة هو للأفراد ، فهو - إذاً - يتبنى الأصلين : أصالة الفرد والجماعة والجماعة لصالح الأفراد ! .
إن الوارث - أياً كان - هو امتداد للمورث في كيانه قضيةَ الفطرةِ الُمحبَّة للبقاء ، فالذي يعترض على الإرث أنه أكلٌ دون مقابل ، هو معترض على امتداد كيان المورث ، فلا أقل أنه هبة من المورِّث للذي يراه إمتداداً له بعد موته .
فهؤلاء الحماقي الذين يسمحون لأنفسهم أخذ المال وصرفه بغير الحلال ، هنا لا يسمحون بما يوافق فطرة اللَّه وشرعة اللَّه ! .
ولقد كان الميراث قبل نزول آياته هذه مقرراً بين المؤمنين بأخوة الإيمان كما كان بالقرابة ، فلما قويت شوكة الإسلام وضعفت الشائكة ضد الإسلام ، انحصر الميراث بالأقربين :
« وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً »
« 1 » كما فصلناه في الأحزاب .
فقد نُسخ التوريث الجاهلي عن بكرته أولًا بميراث بين الإخوة في الإيمان والمهاجرة والنصرة الإيمانية ، ثم نسخ مرة ثانية بنسخ هذا الميراث المشارك للأقربين باختصاصه بهم .
فإلى قاعدة رصينة متينة قرآنية في حقل التوريث لم تنسخ - ولن - إلى يوم القيامة :
« لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً »
. « 2 »
هامش
( 1 ) 33 : 6
( 2 ) 4 : 7