وهنا لمحة من الضمائر المفردة أن استثناء المنع عن تولي الدبر ليس يشمل توليه جميعاً ، بل هو تولي الأفراد تحرفاً لقتال أو تحيزاً إلى فئة .
وترى هنا
« باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ »
ليست لتستثنى ؟ ولقد عفى اللَّه عنهم يوم أحد :
« إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ »
. « 1 »
ويوم حنين :
« لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ . ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ »
. « 2 »
إذاً فالفرار من الزحف هو كسائر الكبائر من موارد المغفرة بالتوبة الصالحة . « 3 »
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
« 4 »
بعد هذه الخوارق لعادات الحرب وتكتيكاتها ، في هذه الهزيمة العظيمة للمشركين الكثرة بالمؤمنين القلة ، لم يكن عاملها هزيمتهم لا الرسول ولا المؤمنون
« فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ »
في الحق بطاقاتكم البشرية العاديَّة
« وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ »
بما نصركم في حلقات ظاهرة وباطنة .
« وَما رَمَيْتَ »
رمية الحرب وما أشبه
« إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى »
حيث هداك ونصرك وعبَّد لك طريق النصر ، هذه الشائكة الخطرة الملتوية ، « ليحق الحق بكلماته ويبطل الباطل ولو كره المجرمون »
« وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ »
« وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ »
هامش
( 1 ) . سورة آل عمران 3 : 155
( 2 ) . سورة التوبة 9 : 46
( 3 ) . وقد روى أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي من حديث ابن عمر قال : كنت في سرية من سرايا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فحاص الناس حيصة وكنت فيمن حاص فقلنا : كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب
( 4 ) . سورة الأنفال 8 : 17