تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
هذه الذوات ، بياناً لكيانهم بما خلق اللَّه : أنه محدود بما حدّد اللَّه ، دون هذه الخليفة التي منها آدم ، فليس علمه محدوداً لحدٍّ ، فهم : « ما منا إلا وله مقام معلوم » والخليفة :
« وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً » .
والثانية أن هؤلاء الذوات هي الأصيلة في هذه الخلافة ، مهما كانت لأشباههم في الصورة الإنسانية تخلُّفات وترذُّلات من إفساد وسفك دماء ، فان هؤلاء الأشباح لا تشبه أشباهها في المعنى مهما شابهتها في الصور . لذلك
« وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها »
: أسماء هؤلاء الخلفاء كلها ، وذواتهم بأشباحهم كلهم ، تجنيداً وعرضاً لآدم أوّلًا لكي يعرف موقعه أنه يحمل في صلبه هذه الأمانات الغالية ، وللملائكة لكي يعلموا :
« إِنِّي أَعْلَمُ »
من هذه الخليفة
« ما لا تَعْلَمُونَ »
فهناك البون الشاسع بينكم وبينه لحدٍّ لا تعرَّفون حقائقهم إذ لا تتمكنون ، حيث هم في الذروة العليا ، وما أنتم بها حتى تحيطوها معرفة وعلماً ، فإنما أُنبِئتم بأسماءهم لكي تتعرفوا حسب المستطاع إلى ذواتهم قدر ما تعلمون :
« إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ »
! . فالأسماء الذوات هي المعروضة هنا على ملائكة السماوات :
« ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ »
دون « عَرضَها » حيث العرض للذوات ، ودون « عرّفهم الملائكة » حيث العرض لمنظرٍ من الأشباح ، لا حقائقها كلها - لان هؤلاء من غيب السماوات والأرض :
« فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
وهم - أو معظمهم - رجالات اللَّه : النبيين والمرسلين : حقائق عاقلة محجوبة تحت حجاب الغيب : غيب السماوات والأرض ، كَشَف اللَّه لآدم منها أسماءً وذواتٍ ، وأنبأ الملائكة بأسمائها بآدم ، ولكن ترى : إنباء الأسماء فقط دون اي كشف عن حقائقها ؟ إذاً فكيف عرفت الملائكة فضلَهم ، وعرفت فضل آدم بما عُلِّمهم دونهم ! . فليكن في عرض هؤلاء الذوات على الملائكة ، وإنبائهم بأسمائهم - ليكن في هذا الإنباء وذلك العرض تعريف مّا بالذوات ، يكفي لهم إقناعاً : أنهم هم الأفضلون في الفضائل كلها ، لحد لا يحيطون - وحتى - معرفة بجنابهم وعلماً بذواتهم كما يحق .