تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
«
لِلدِّينِ حَنِيفاً
» قبلها و «
لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
» بعدها . فنسبة الفطرة إلى اللَّه توحى بأنها ليست الّا من صنع الله ، لا صنع ولا تأثير ولا تبديل فيها لغيرِ الله ، كيف وهى - / فقط - / خلق اللَّه و «
لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ
» فهي وحى تكويني إلى أعمق اعمال ذوات الناس ، كظرفٍ صالح للوحي التشريعي ، وهنا التطابق التام بين كتابي التكوين والتشريع بحق الناس ، فالتشاريع الإلهية كلها تفاسير وتفاصيل لها أجملت في الفطرة ، لذلك فالحق يقال : ان دين اللَّه فطرى إذ يتبنَّى الفطرة ، ومؤلف الكتابين خلقةً وشِرعةً هو اللَّه الواحد القهار ! ومن ثم نسبة الفطرة إلى الناس - / وبهذه الصيغة السائغة - / «
فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها
» توحى أنها الأصل والناس فرع عليها ، فكما النطفة هي أصله في البُعد الجسماني ، كذلك الفطرة هي أصله في بعده الروحي الانساني . أم انَّ « عليها » ايحاءٌ بأن الفطرة ليست مجعولة بجعل ثانٍ بعد الروح ، بل هي مجعولة بجعل الروح ، وعلَّ الأول أوحى حيث يتضمن أصالتها والروح فرع لها وان كانا مجعولين بجعل واحد ، بل هما أصلًا وفرعاً واحد إذ لا يتفارقان . وقد أمرنا بإقامة الوجه لها رخاءً ولا نكون من المشركين هنا ، وبصيغ أُخرى كما في غيرها : «
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ
» ( 30 ) «
وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
» ( 10 : 105 ) «
أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
» ( 12 : 40 ) وهنا عرفات سبع تصد عن جهالات سبع ، تحملها آية الفطرة بمواصفاتها الست ، فرضاً لمنطلق الدعوة : الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله «
فَأَقِمْ وَجْهَكَ . .
» والى الناس أجمعين كضابطة سارية تعم كافة المكلفين : «
فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها
» . والصاروخ الرَكوب ، المنطلَق به بينها في هذه الرحلة للطائر القدسي الانساني هو «
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها
» وسائر السبع زاده في طريقه الشاقة الطويلة المليئة بالأشلاء والدماء .