وعلَّ النصب من « فطرت الله » خلاف الجر في « للدين » للتدليل على أنها ليست هي - / فقط - / الدين حنيفاً ، وانما هي من الدين ومنطلَقه الأوّل ، كآية أنفسية أولى ، ليست قبلها ولا معها أيَّة آية أنفسية يبتدءُ السالك منها ، وينطلق عنها إلى الدين القيّم الحنيف ، والشرعة الإلهية الكاملة ، والتوحيد الخالص الناصع .
فقد يعنى نصبُه نصبَه المنصب الأوّل في إقامة الوجه للدين : أعنى فطرت اللَّه - / الزم فطرت اللَّه - / أخصُّ من الدين الحنيف فطرت الله ، امّاذا من ناصبات مناسبات ؟
«
لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ
» - / « خلق الله » هنا ليس كل خلق الله ، فان منها ما يبدَّل بحق أو باطل كما هدد الشيطان : «
وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ . .
» فما هو الّا دين الفطرة ، حيث الدين الشرعة هو من الأمر وليس الخلق «
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
» فمهما كان في سائر الدين تبدُّل أو تبديل ، كدين العقل والشرعة من الدين ، في حق أو باطل ، كالعقل الضائع أو الذي تصيبه جِنة قاصدة أو قاصرة ، وكالشرعة المحرفة أو المنسوخة ، ولكن دين الفطرة لا تبدُّل فيه ولا تبديل ، لأنه المُنطلَق الأصيل الدائب لدين العقل والشرعة .
«
لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ
» الإقامة بوسيط الفطرة هو «
الدِّينُ الْقَيِّمُ
» الذي لا زوال له ولا اضمحلال ، إذ لا ريب فيه ولا نقصان أو بطلان يعتريه «
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
» مثلثَ الدين ، فطرةً وعقليةً وشرعةً ، ولا وجهاً ولا إقامة ولا حناقةً ولا قيمومةً ، متورّطين في مسبَّع الجهالات ، ولذلك لا ينجون في الحياة مهما شرَّقوا أو غرّبوا ، حيث غربت عقولهم وحُجِبت فِطَرُهم .
هذا اجمال عن مغزى الآية ومن ثم التفصيل ، ولنبدء برأس الزاوية في مسبع العرفات :
« فطرت الله » وهى كلها رئوس الكمالات الانسانية وجماع فضائلها وفواضلها .
الفطرة هي حالة خاصة من الفَطر ، وهو الشق «
ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ
( 3 )
ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ
» ( 67 : 4 ) والفطور هو الفروج والشقوق والفتوق والخروق ، انفصالات متهافتة متفاوتة في خلق الرحمن تحيلها آية الفطور ، والفَطر بين شق صالح فوصله صالح ،