يكن معه شىءٌ » سواءٌ أكان عرش السلطة التدبيرية والتقديرية الفعلية منه تعالى أو السلطة الملائكية المأذونة لهؤلاء المؤمرين ، حيث يحملون بما يحمَّلون كأداة أمور التكوين والتشريع .
فأصل العرش وهو السلطة الربانية ليس الا لله ، ثم فصله لعباد له خصوص يحملون أوامره إلى الكائنات ، فهم عمال رب العالمين فيما هم به يؤمرون .
فلأن عرش اللَّه هو أمره السلطوى الربوبي ، فحملة عرشه هم المحملون أوامره ، وعمّاله الذين يعملون بأمره ، من ملائكة الوحي وسواهم ، وسائر رسل الوحي وسواهم من حملة أوامر اللَّه إلى خلقه .
ومهما كان لعرش الرب حملة يوم القيامة والأولى ، لم تكن له حملة يوم خلق الماء ، قبل أن يخلق الأرض والسماء ، فإنما خلق كل الحملة من الماء ، وهو مادة الكائنات بأسرها ، فلم يحمل عرشه بعدئذٍ حملة لحاجته إليهم ، بل لحاجتهم إلى ذلك الحمل كما المحمل إليهم محتاجون ، تطبيقاً لأمر اللَّه لمزيد العناية الربانية إليهم ، كما تزيد لمن حمل إليهم تشاريع الله .
هذا ، فذلك ايقاع بالغ لهم صارم بعبودية الكون كله لله الواحد القهار «
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ
» فهنا ، وقد ارتعش الضمير الانساني منساقاً للاستجابة في موكب الكون المستجيب لأمر ربه ، من هنا يخاطب بقية العبودية الفطرية أن يدعوا المعبود :
«
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
» ( 7 : 55 )
« ادعوا » قد تعم دعوة العبودية بمعرفة توحيدية ، ودعوة الدعاء فيما تكل الطاقات المخولة الينا ، في قال وحال وفعال ، وكما أن يصبح العبد بكل كيانه دعاء الرب .
وكما الدعاء العبودية والعبادة واجبه الركين أن يكون بتضرع وتذلّل ، كذلك وبأحرى دعاء الاستدعاء ، ولئن تبتلى سائر العبادات بافلاس في غير اخلاص كما في أكثريتها المطلقة ، فعبادة الدعاء هي بطبيعة الحال مخلِصة غير مفلِسة ، لأنها قضية الحاجة التي لا تزول الّا برحمة من الله ، ولكن العبادة - / ما كانت صالحة في شروط لها في الفقه الأصغر - / تسقط التكليف وان لم تقع موقع القبول ولم ترفع بصاحبها إلى حضرة الربوبية .