تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
وكما أن «
الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ
» ( 3 : 154 ) كذلك التدريج وسواه كله لله ، والأمر المذكور في القرآن ( 72 ) مرة ، لم يأت وان مرة يتيمة بمعنى انشاء المجردات ! غير المتدرجة في الانتشاء ، انما هو بين أمر التكوين والتشريع أمراً فيهما ومطلق الشئ والفعل ، دونما اختصاص بمجرد وما أشبه ، فالأمر الدستور يجمع بالأوامر ، والأمر الفعل أو الشئ بالأمور . ثم الأمر بعد استواءه على العرش هو كل أمر في حق الخلق : «
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
» ( 10 : 3 ) . وطليق الأمر تدريجياً وسواه لا ينافي ذكره في سواه ك «
وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
» ( 16 : 77 ) رغم أن أمر الساعة - / وهو مجموع أمرى قيامة الإماتة والاحياء - / ليس - فقط - في ايجاد مجردات انما هو تدبير الكون بلمحة ، ثم تعميره بلمحة أُخرى : «
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ
» ( 39 : 68 ) فلا يدل «
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
» ( 17 : 85 ) انه من عالم المجردات لمكان الأمر ، وانما القصد إلى أنه أياً كان ليس الّا من الله ، سواء أكان روح العصمة الرسالية أم روح القرآن أم سائر الأرواح ، إذ ليس للخلق مدخل فيها أبداً ، وانما كله من اللَّه وان كل خلق هو من الله . ولو أن الأمر غير متدرج ، فكيف - / اذاً - / «
يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً
» ( 65 : 12 ) . وأما «
إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
» ( 2 : 117 ) ألَّا تدرج في أمره ، فهذا لا يقتضى سلب أي تدرج وان كان بأمر الله ، فمن نفاذ أمره تعالى دون حاجة إلى تدرج وتمهّل انه لا يريد شيئاً الا وهو كائن ، فقد أراد تكوين المادة الأولية فكانت دون تدرج ، ثم خلق منها السماوات والأرض بتدرج ، دون أن يكون ذلك التدرج المقصود فيما فيه التدرج نقصاً في قدرته ، بل هو لحكمة عالية ربانية تقتضيه ، فقد يقول لأي من مراحل التكوين التدريجي « كن » فيكون كما يريد دون تمهُّل ضعفاً في القدرة ، وهنا يتجلى معنى : «
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ
» ( 54 : 50 ) و «
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
» ( 36 : 82 ) .