بحجته ليس ليتحرى بعدُ عن حق هو عارفه ، فهذه حجج ثلاث مطوية في « وقد هدان » ، وقد تفرعت عليها الحجتان الأُخريان فهي - / اذاً - / خمس حجج .
وهنا « الَّا أن يشاء ربى شيئاً » من الخوف عما تشركون بالله ، حجة سادسة ، أن لو أراد الله أن أخاف الالهة - / ولن يرد - / فذلك - / اذاً - / خوف بإرادته دون ارادتها ، فيرجع حجة أُخرى على ربوبيته دونهم ! .
« وسع ربى » الذي رباني هكذا ورب العالمين كلًا على قدره « كلَّ شئ علماً » فعلمه محيط بكل شئ فلا تخفى عليه خافية ولا تفلت عنه غامضة ، فكل الأشياء عنده وامضة ، فلا يصيبني أمر كما تزعمون ، فربِّى هو الواسع علماً فهو يذودعنى .
ف « وسع ربى » تختلف عن سائر السعة ، فإنها من سعة المحدود على المحدود ، حيث تطلق على الأجسام وأشباهها التي فيها الضيق والاتساع والحدود والأقطار ، تعالى اللَّه عن ذلك علواً كبيراً ، فإنما هي سعة ربوبية علمية كما هنا ، وسعةً في كافة مراحل القيومية كما في غيرها .
«
وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
» ( 6 : 81 ) :
فهذه ضابطة عالمة عاقلة في كل الأعراف أن اتِّباع الحق لا يُخيف ، واتباع الباطل مخيف وأنتم الأغبياء تعاكسونها حيث ترجون أن أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ، وقد نزل سلطاناً على توحيده ولم ينزل أي سلطان على ما تشركون .
«
فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ
» واقعياً وفى أي من الحقول «
إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
» أن الحق أولى من الباطل اتباعاً وتخوفاً من تركه .
وهكذا تنجلى الفطرة وتتجلى في ضَفَّة الايمان ولا سيما المتأيِّدة بوحي اللَّه باراءتها ملكوت السماوات والأرض .
وهكذا تنحرف فتنجرف في ضَفَّة الكفر المعاند ، ومن الفاصل بينهما التحري عن الحق في الأولى والتجرى على الحق في الثانية .
إن الفطرة حين تنحرف وتضل ثم تتمادى في ظلالها وتتسع الزاوية الهاوية وتبعد نقطة