لقوله ، ثم المحاولة في اتقان الحجة وايضاح المحجة .
وهنا نسمع إبراهيم الخليل يبدء بما يقوله خصمه « هذا ربى » ثم ينقضه بنقصه وأفوله الذي لا يناسب ربوبيته ، وكما حاج عبدة الأصنام الأرضية أن كسرها وجعل الفأس على كبيرها خلقاً لجو التساؤل بناءً على معتقدهم في ألوهيتها حيث أجاب عن «
مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا . . . .
» ؟ ب «
قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ
» ( 21 : 63 ) فعله . .
ان كانوا ينطقون ، فاسألوهم ان كانوا ينطقون » .
وكما تماشى مع قولة نمرود : «
أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ
» انتقالًا إلى حجة أظهر «
فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ . . .
» دون أن يصر على الحجة الأولى ، ببيان أضح إذ لم يجد في نمرود بحاشيته تلك الذكاء اللائقة لتفهم الحجة الأولى ، حيث القصد من الحجاج افهام الخصم فافحامه كما يفهم بلا لجاج .
فالحجة مهما كانت بالغة ، يجب أن يحتج بها بلغة يفهمها المحاج له ، فلكل مقال مجال كما لكل مجال مقال ، رعاية لكمال القول تجاوباً مع كمال المقول له .
وليست هذه الحجج حججاً عامية تقنع - / فقط - / العوام ، بل هي حجج صارمة ناتجة من اراءَة الملكوت ، فمن الملكوت قضاء الفطرة السليمة « انى لا أحب الآفلين » في حقل الربوبية ، و « لا أحب » هذه لا خلاف فيه بين المحبين ولا تخلف عنه ، فهو أقوى حجة بين الحجج ، فحين تقل الحجج أو تكل يأتي دور حجة الفطرة التي لا نكير لها .
لذلك يعتبر القرآن «
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها
» أنها «
الدِّينُ الْقَيِّمُ
» التي لا تفلُّت عنها مهما تلفَّت عنها كثير ، فهي أقوى من كافة الحجج المنطقية والعقلية والعلمية والحسية أماهيه من حجة .
ولا حجة لأية حجة الَّا ما تتبنى حكم الفطرة الكائنة عند الكل ، والمقبولة لدى الكل ، ولأن شرعة اللَّه لا تختص بحقل الفلاسفة والعلماء العقليين والحسيين ، فلتكن محتجة بأقوى الحجج وأعمها وأتمها وهى حجة الفطرة ، مهما يزودها بسائر الحجج رعاية لمختلف القطاعات من المكلفين .