يستأصل الأصنام وأضرابها عن كافة شؤون الألوهية .
«
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
» ( 6 : 75 ) :
« وكذلك » البعيدة المدى ، العميقة الصدى لملكوت الأصنام وما شابهها من السماوات والأرض «
نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . . .
» حيث استطاع أن يتغلب في كل حقول الحجاج مع أبيه ومع قومه ومع نمرود الطاغية . . «
وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
» ونتيجةً لهذه الإرادة الربانية «
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ . . . .
» .
أجل ، وكلما زادت رؤية ملكوت الكون وكيانه تعلقاً بالله ، زاد الرائي يقيناً أكثر بالله ، فلأن التعلق بالله درجات ، فملكوته أيضاً في أنفس معتقديها درجات ، كلَّما كان السلب أقوى وأعمق كان الايجاب - / على ضوءه - / أعمق وأقوى ، بل ولا نصيب للخلق في معرفة الله الَّا مجالات السلب ، ف « لا اله » تنفى الألوهة عن كل الكائنات بحذافيرها ، ثم « الَّا الله » تثبت حق الألوهة له تعالى ، ولكن ما هو وما هي صفاته وأفعاله ؟ لا نصيب له هنا الَّا السلب ، موجود يعنى ليس بمعدوم ، عالم يعنى ليس بجاهل وهكذا الأمر . . . ف «
سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ . إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
» .
وهنا تساؤلات عدة حول هذه الآية ، منها ما هي الملكوت ، وأُخرى ألم يكن إبراهيم قبل هذه الرؤية من الموقنين بالله ، واذاً فكيف كان يؤنب أباه وقومه بشركهم أنهم في ضلال مبين ، وثالثة بماذا يعطف العاطف في « وليكون . . . » ولا معطوف عليه ظاهراً يعطف عليه ؟
قد يكون المعطوف عليه « ليحتج على المشركين » كأصل في حجاجه «
وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
» الأولين في تلك الاراءَة الملكوتية ، ايقاناً فوق ايقان فايماناً فوق ايمان ، حيث الايقان فالايمان درجات حسب درجات رؤية الملكوت ، فما أريه إبراهيم من الملكوت له جانبان اثنان ثانيهما وهو الأعمق « ليكون من الموقنين » والأوَّل وهو الممكن تفهمه لمتحرى الحق فقر الكائنات كلها إلى ربها ، « وليكون من الموقنين » الرساليين وهم أفضل الرسل والنبيين ، لا كل الموقنين بل الموقنين القمة كإبراهيم عليه السلام .