وهم قد قالوا لنوح عليه السّلام :
قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا . .
( 32 ) [ هود ]
ونحن نعلم أنّ نوحا عليه السّلام عاش ألف عام إلا خمسين عاما ، ومعنى ذلك أن جداله معهم أخذ وقتا طويلا .
والجدال يختلف عن المراء « 1 » ، لأن الجدال إنما يكون لحقّ ، والمراء يكون بعد ظهور الحق .
الجدال - إذن - مطلوب ، والحق سبحانه هو القائل :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . .
( 125 ) [ النحل ]
وكذلك يقول سبحانه وتعالى :
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي
« 2 »
تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ . .
( 1 ) [ المجادلة ]
إذن : فالجدال مطلوب لنصل إلى الحق ، شرط أن يكون جدلا حسنا ، لا احتكاك فيه ولا إيذاء « 3 » .
هامش
( 1 ) المراء : المماراة والجدال . وأصل المراء في اللغة أن يستخرج الرجل من مناظره كلاما ومعاني الخصومة وغيرها
من : مريت الشاة إذا حلبتها واستخرجت لبنها . [ انظر اللسان ] والمراء والمماراة يحمل معاني الشك والريبة في الأمر مما يستدعى جدالا أكثر وأعمق وأطول ، وهذا منهى عنه .
( 2 ) هي امرأة يقال لها خولة بنت ثعلبة ، اشتكت زوجها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قائلة : يا رسول اللّه ، أكل مالي ، وأفنى شبابي ونشرت له بطني ، حتى إذا كبرت سنى وانقطع ولدى ظاهر منى ، اللهم إني أشكو إليك . قالت عائشة رضى اللّه عنها : فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية :قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ . .( 1 ) [ المجادلة ] وزوجها هو : أوس بن الصامت . انظر تفسير ابن كثير ( 4 / 318 ) وأسباب النزول للواحدي ( ص 231 ) .
( 3 ) يقول تعالى :ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . .( 125 ) [ النحل ] أي : من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال ، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب ، كقوله تعالى :وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ . .( 46 ) [ العنكبوت ] انظر :
ابن كثير ( 2 / 591 ) .