فالعقل - إذن - هو مناط التكليف ، وعمله أن يختار بين البدائل في كل شئ ، ففي الطعام مثلا نجد من يهوى وضع ( الشطة ) فوق الطعام ؛ لأنها تفتح شهيته للطعام ، وبعد أن يأكل نجده صارخا من الحموضة ، ويطلب المهضّمات ، وقد لا تفلح معه ، بل وقد تفسد له الغشاء المخاطى الموجود على جدار المعدة لحمايتها ؛ فربّ أكلة منعت أكلات ؛ ولذلك نجد عقله يقول له : احذر من هذا اللون من المشهيات ؛ لأنه ضارّ بك .
وهكذا نجد العقل هو الذي يوضح للإنسان نتائج كل فعل ، وهو الذي يدفع إلى التأنى والإجادة في العمل ؛ ليكون ناتج العمل مفيدا لك ولغيرك باستمرار ، ولم يأت العقل للإنسان ليستمرىء به الخطأ والخطايا .
وهكذا نجد أن العقل يدرك ويختار السلوك الملائم لكل موقف ، بل إن العقل يدعو الإنسان إلى الإيمان حتى في مرحلة ما قبل التكليف ، فحين يتأمل الإنسان بعقله هذا الكون لا بدّ أن يقوده التأمل إلى الاعتراف بجميل صنيع الخالق سبحانه وتعالى .
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ
« 1 » وهنا يحدّثنا الحق سبحانه عن عالم الملك الذي تراه ، ولا يتكلم عن عالم الملكوت الذي يغيب عنك ، وكأنك إن اقتنعت بعالم الملك ، وقلت :
هامش
( 1 ) قل انظروا ماذا في السماوات والأرض : أمر للكفار بالنظر والاعتبار في المصنوعات الدالة على الصانع والقادر على الكمال ، والآيات هنا بمعنى : الأدلة والبراهين على ألوهية اللّه ووحدانيته ، والآية تفيد عموم النظر في ملكوت اللّه لكل من أراد أن يتذكر أو يتدبر . والنذر : الرسل ، جمع نذير ، وهو الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . عن قوم يؤمنون : أي : عمّن سبق له في علم اللّه سبحانه أنه لا يؤمن . [ تفسير القرطبي :
4 / 3314 ] - بتصرف .