كل هؤلاء اكتشفوا - ولم يخلقوا - أسرارا كانت موجودة في الكون ، وهم تميّزوا بالانتباه لها .
وكذلك العالم الذي اكتشف « البنسلين » قد لاحظ أن أصيصا « 1 » من المواد العضوية كانت تنزل منه قطرات من الماء العفن ، ورأى الحشرات التي تقترب من هذا الماء تموت ، فأخذ عينة من هذا العفن وأخذ يجرى عليها بعض التجارب في معمله إلى أن اكتشف « البنسلين » .
وقول الحق سبحانه :
وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ
( 105 ) [ يوسف ]
فكأنهم لو لم يعرضوا لاستنبطوا من آيات الكون الشئ الكثير .
وكذلك القصص التي تأتى في القرآن ، إنما جاءت ليعتبر الناس ويتأملوا ، فحين يرسل اللّه رسولا مؤيّدا بمعجزة منه لا يقدر عليها البشر ؛ فعلى الناس أن يسلّموا ويقولوا : « آمنا » ، لا أن يظلوا في حالة إعادة للتجارب السابقة ؛ لأن ارتقاءات البشر في الأمور المادية قد تواصلت ؛ لأن كل جيل من العلماء يأخذ نتائج العلم التي توصل إليها من سبقوه ، فلماذا لا يحدث هذا في الأمور العقدية ؟
ولو أن الناس بدأوا من حيث انتهى غيرهم ؛ لوجدنا الكل مؤمنا بالله تعالى ، ولأخذ كل مولود الأمر من حيث انتهى أبوه ، ولوصل خير آدم
هامش
( 1 ) الأص ( بفتح الهمزة ، وبكسرها ، وبضمها ) : الأصل . والأصيص : أصل الدّن ( إناء ) أي : أسفله ويقال : هو كهيئة الجر له عروتان يحمل فيه الطين . وفي الصحاح : الأصيص ما تكسر من الآنية ، وهو نصف الجر أو الخابية تزرع فيه الرياحين . [ لسان العرب : مادة ( أص ص ) ] . وتطلق هذه الكلمة على أوان من الفخار تصنع خصيصا لزراعة الأزهار والنباتات .