والحق سبحانه هنا يضرب المثل النازل كسيل من السماء على الجبال ، فيأخذ كل واد أسفل الجبال على قدر احتماله ، ويرتوى الناس ، وترتوى الأرض ، لكن السيل في أثناء نزوله على الجبال إنما يحمل بعضا من الطمى ، والقش ، ويستقر الطمى في أرض الأودية ؛ لتستفيد منه ، أما القش والقاذورات فتطفو على سطح الماء ، وتسمى تلك الأشياء الطافية زبدا ، وساعة تضعها في النار ، فهي تصدر أصواتا تسمى ( الطشطشة ) .
ومثال ذلك : حين نوقد النار ؛ لنصهر الحديد ، نجد الخبث هو الذي يطفو ، ويبقى الحديد النقى في القاع .
هذا الزبد الذي يوجد فوق الماء ينزاح على الجوانب ، ومثال ذلك : ما نراه على شواطئ البحر حين يقذف الموج بقاذورات على الشاطئ ، هذه القاذورات التي ألقتها البواخر ، فيلفظها البحر بالموج ، وهذا الزبد يذهب جفاء ، أما ما ينفع الناس فيبقى في الأرض ؛ لذلك يقول الحق سبحانه :
كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ . .
( 17 ) [ الرعد ]
إذن : فالله سبحانه يترك للباطل مجالا ، ولكن لا يسلم له الحق ، بل يترك الباطل ؛ ليحفز غيرة الناس على الحق ، فإن لم يغاروا على الحق غار هو عليه « 1 » .
وهنا يقول اللّه سبحانه وتعالى :
فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ
( 76 ) [ يونس ]
ولأنهم كانوا مشهورين بالسحر ؛ ظنوا أن الآيات التي جاءت مع موسى - عليه السّلام - هي السحر المبين ، أي : السحر الظاهر الواضح .
هامش
( 1 ) عن عبد اللّه بن مسعود قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ليس أحد أحب إليه المدح من اللّه ، من أجل ذلك مدح نفسه ، وليس أحد أغير من اللّه ، من أجل ذلك حرم الفواحش » أخرجه مسلم في صحيحه ( 2760 ) ، والبخاري في صحيحه ( 4634 ) .