لأن الموعوظ قد يقول في نفسه : لقد رأيتني في محل دونك وتريد أن ترفعنى ، وأنت أعلى منى . فإذا قدّر الواعظ هذا الظرف في الموعوظ فهو يستميل نفسه .
ولنتذكر الحكمة التي تقول : « النصح ثقيل ، فلا تجعلوه جدلا ، ولا ترسلوه جبلا ، واستعيروا له خفّة البيان » ؛ وذلك لتستميل أذن السامع إليك فتأتي له بالأسلوب الجميل المقنع الممتع الذي يعجبه ، وتلمس في نفسه صميم ما ترغب أن يصل إليه .
والموعظة تختلف عن الوصية ؛ لأن الوصية عادة لا تتأتى إلا في خلاصة حكمة الأشياء ، وهب أن إنسانا مريضا وله أولاد ، وحضرته الوفاة ، فيقوم بكتابة وصيّته ، ويوصيهم بعيون « 1 » المسائل .
والحق سبحانه يقول هنا :
قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ . .
( 57 ) [ يونس ]
والموعظة إما أن تسمعها أو ترفضها ، ولأنها موعظة قادمة
مِنْ رَبِّكُمْ
فلا بد من الالتفات والانتباه ، وملاحظة أن الحق سبحانه قد اختص الموعظة بأنها من الرب ، لا من الإله ؛ لأن الإله يريدك عابدا ، لكن الرب هو المربّى والكفيل ، وإن كفرت به .
وهذه الموعظة قادمة من الرب ، أي : أنها من كمالات التربية ، ونحن نعلم أن متعلقات الربوبية تتوزع ما بين قسمين : القسم الأول هو مقوّمات الحياة التي يعطيها الحق سبحانه من قوت ورزق - وهذه المقومات للمؤمن ، وللكافر - والقسم الآخر هو مقومات القيم التي ترسم منهج حركة الحياة ، وهذه للمؤمن فقط .
هامش
( 1 ) عيون المسائل : أي : أصولها ، والمهم منها ، وعين كل شئ : خياره . [ اللسان : مادة ( عين ) ] .