وهنا يبلّغ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم هؤلاء الذين طلبوا تغيير القرآن أو تبديله : لقد عشت طوال عمرى معكم ، ولم تكن لي قوة بلاغة أو قوة شعر ، أو قوة أدب . فمن له موهبة لا يكتمها إلى أن يبلغ الأربعين ، ورأيتم أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يجلس إلى معلّم ، بل عندما اتهمتموه وقلتم :
إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ . .
( 103 ) [ النحل ]
وفضحكم الحق سبحانه بأن أنزل في القرآن قوله تعالى :
لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ
« 1 »
إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ
« 2 »
وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
( 103 ) [ النحل ]
ولم يخرج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من شبه الجزيرة العربية ، ولم يقرأ مؤلّفات أحد .
فمن أين جاء القرآن إذن ؟
لقد جاء من اللّه سبحانه ، وعليكم أن تعقلوا ذلك ، ولا داعى للاتهام بأن القرآن من عند محمد ؛ لأنكم لم تجرّبوه خطيبا أو شاعرا ، بل كل ما جاء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، بعد أن نزلت عليه الرسالة ، هو بلاغ من عند اللّه .
وبطبيعة الحال لا يمكن أن ينسب الكمال إلى إنسان فينفيه ، فالعادة أن
هامش
( 1 ) لحد في الدين وألحد والتحد : مال عنه ، وحاد ، وابتعد . والإلحاد : الجدال والمراء ، قال تعالى :إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا . .( 40 ) [ فصلت ] وقال تعالى :وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ . .( 180 ) [ الأعراف ] . والإلحاد : الظلم والجور . قال تعالى :وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ . .( 25 ) [ الحج ] . والإلحاد في اللغة : الميل عن القصد . وقوله :لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ . .( 103 ) [ النحل ] وأصل الإلحاد : الميل والعدول عن الشئ . والملتحد : الملجأ ؛ لأن اللاجىء يميل إليه . [ لسان العرب : مادة ( لحد ) - بتصرف ] .
( 2 ) عجم : العجم والعجم : خلاف العرب والعرب . ورجل عجمىّ وأعجمىّ : غير عربىّ . قال أبو إسحاق : الأعجم : الذي لا يفصح ولا يبيّن كلامه وإن كان عربيّا . والعجمي هو الذي من جنس العجم أفصح أو لم يفصح . قال تعالى :وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ( 198 ) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ( 199 ) [ الشعراء ] .