ونلحظ هنا ملحظا يجب الانتباه إليه ، ففي هذه الآية الكريمة يقول الحق سبحانه :
أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ . .
( 31 ) [ يونس ]
بينما يقول في آية أخرى في سورة السجدة :
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ . .
( 9 ) [ السجدة ]
ولا بد أن ننتبه إلى الفارق بين « الخلق » و « الجعل » ، و « الملك » ، فالخلق قد عرفنا أمره ، وملكية كل شئ لله - تعالى - أمر ملزم في العقيدة ، ومعروف ، أما « الجعل » ، فهو توجيه ما خلق إلى مهمته .
فأنت تجعل الطين إبريقا ، والقماش جلبابا ، هذا على المستوى البشرى ، أما الحق سبحانه وتعالى فقد خلق المادة أولا ، ثم جعل من المادة سمعا وبصرا ، وزاد من بعد ذلك
أَمَّنْ يَمْلِكُ ،
فمن خلق هو اللّه تعالى ، ومن جعل هو اللّه تعالى ، ومن ملك هو اللّه تعالى .
وهو سبحانه ينبهنا إلى ذلك ، فالأشياء النافعة لابن آدم يخلقها اللّه سبحانه ، ويجعلها ، ثم يملّكها له .
أما ذات الإنسان وأبعاضه من سمع وبصر وغيرهما وإن كانت قد خلقت في الإنسان ، وجعلت له للانتفاع بها ، ولكنها ستظل ملكا لله ، يبقيها على حالها ، أو يخطفها أو يصيبها بآفة ، أو يعطلها « 1 » .
إذن : فهي خلقت لله ، وجعلت من اللّه ، وتظل مملوكة لله ، ويصيّرها كيف يشاء ، فدقات القلب والحب والكراهية والأمور اللاإرادية التي تعمل لصالح الإنسان هي مملكة اللّه .
هامش
( 1 ) يقول سبحانه :يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( 20 ) [ البقرة ] .