وعلى ذلك فحقّ المؤتمن عند المؤتن خاضع لخيار المؤتمن ؛ ولذلك وجدنا السماء والأرض والجبال قالت : يا رب لا نريد أن ندخل أنفسنا في هذه التجربة ، افعل بنا ما شئت واجعلنا مقهورين ولا اختيار لنا ، ولا نريد تحمّل الأمانة .
أما الإنسان فقد ميّزه اللّه بالعقل ، وقدرة الاختيار بين البدائل ؛ لذلك قبل الإنسان حمل الأمانة ، وحين جاء وقت الأداء لم يجد نفسه أمينا على الأشياء مثلما ظنّ في نفسه وقت التحمّل .
وكذلك الذين يتعلمون السحر ، يقول الواحد منهم لنفسه : سوف أتعلمه لأدفع الضّرّ عن نفسي ، ونقول له : أنت لا تضمن نفسك ؛ لأنك من الأغيار ، فقد يغضبك أو يثير أعصابك إنسان ؛ فتستخدم السحر فتصيب نفسك بالرّهق .
إذن : فحين قال اللّه سبحانه :
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ . .
( 128 ) [ الأنعام ]
أي : أخذتم من الإنس كثيرا بأن أعطيتموهم سلاحا يحقق لهم فرصة وقوة على غيرهم من البشر .
وقد ذكر الحق - سبحانه وتعالى - لنا أن بعض البشر الذين استجابوا للجن قالوا :
اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ . .
( 128 ) [ الأنعام ]
واستمتاع الإنس بالجن مصدره أن الإنس يأخذ قوة فوق غيره من البشر ، واستمتاع الجن بالإنس مصدره أنه سوف يعين هذا الإنسان على معصيته ؛ تطبيقا لقسم إبليس اللعين :
فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ
« 1 »
أَجْمَعِينَ . .
( 82 ) [ ص ]
هامش
( 1 ) الإغواء : الإضلال . قال تعالى :فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ( 32 ) [ الصافات ] . [ اللسان : مادة ( غوى ) ] .