تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5622

مساهمون:

ص٥٦٢٢
وكان من الممكن أن يغيّر الحق الأسلوب في الآية فيقول : توكلت عليه . بدلا من
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ
ولكن إن وفقت الفهم عن قوله الحق ، ستجد أن الإنسان إن قال : « أنا اعتمدت عليك » فقد تعطف قائلا : « وعلى فلان وعلى فلان » . لكن قولك : عليك توكلت لا يمكن أن تعطف من بعدها ، وفيها تنزيه للّه ولا أحد غيره يتوكل عليه الخلق ، مثلما تقول في الفاتحة :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
أي : لا نعبد غيرك ، فتكون قد قصرت العبادة عليه سبحانه . وتوكلك على اللّه له رصيد ؛ لأنه ربك ورب الكون الذي استقبلك ، ولا تصل قدرتك إليه ، فأنت في الأرض تحرثها ، وتبذرها ، وترويها ، ثم تأخذ من عطاء اللّه لك ؛ فهو ربك ، ورب الكون الذي استقبلك ، وأصبح هذا الكون مسخرا لك ، وأنت لم تكن قادرا على تسخير الكون . صحيح أنك قد تسخّر الدابة وتربطها وتمتطيها وتحمل عليها السماد مثلا وكل ذلك مسخر لك وفي قدرتك ، وهذا من فضل اللّه عليك . ويزيد فضله سبحانه ، وترى مخلوقات مسخّرة لك ، وليست في قدرتك ؛ فالشمس مسخّرة لك ؛ تشرق كل يوم بالدفء وبالحرارة ، وكذلك القمر ، والغمام ، وكل هذه مخلوقات ليس في قدرتك السيطرة عليها ، بل سخرها اللّه لخدمتك . وربك ورب الكون الذي استقبلك سخر لك ما ليس في يدك ، وهو سبحانه رب الملكوت الذي يدير كل ذلك وأنت لا تراه ، وهو الذي يدير كل هذه الأشياء . فلا تنظر إلى ظواهر العطاء فقط ، بل انظر إلى مسبّبات العطاء في ظواهر العطاء ، ولا تلتفت إلى ظاهرة إلا لتعرف ما وراء هذه الظاهرة . وما وراء أي ظاهرة كثير . ويقول الحق سبحانه :
وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
نعم ، هو رب الكون الذي استقبلك وسخر لك ما في يدك وما ليس في يدك ، وما وراء المرئيات من