فقد تساءل بعض من العلماء : أيجزى الحق سبحانه هؤلاء الكفار في الآخرة أم في الدنيا ؟ وقد استغلق عليهم الأمر لأن الآية عامة . ونقول :
إن الحق يعطى في الدنيا الجزاء لمن عمل للدنيا ، ويعطى في الآخرة لمن عمل للدنيا والآخرة وفي قلبه اللّه . ولذلك فالذين يحسنون اتخاذ الأسباب المخلوقة للّه بمنح الربوبية ينجحون في حياتهم . والذين يتقدمون دنيويا في زراعة الأرض وانتقاء البذور والعناية بها يعطيهم اللّه جزاء عملهم في الدنيا ، ولا يبخس منه شيئا ؛ ولكن الحق سبحانه يقول أيضا :
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
( 23 ) [ الفرقان ]
هذا القول يوضح عطاء الآخرة ، ولذلك فالخير الذي يعمله غير المؤمن لا يجزى عليه في الآخرة « 1 » ؛ لأنه عمل وليس في باله اللّه ، فكيف ينتظر جزاءه ممن لم يؤمن به ؟
إن اللّه سبحانه يجزى من آمن به وعمل من أجله . ولكن من كفر بالله حبط كل عمله . وهذا أمر طبيعي ؛ لأنك ما دمت قد عملت الخير وليس في بالك اللّه ، فلا تنتظر جزاء منه . إن عملت للإنسانية أعطتك الإنسانية ، وإن عملت للمجتمع أعطاك المجتمع وصنعوا لك التماثيل وأطلقوا اسمك على الميادين والشوارع ، وأقيمت باسمك المؤسسات ، وتحقق لك الخلود في الدنيا ، وهذا هو جزاؤك . ولكن إن كنت مؤمنا بالله ، راجيا ثوابه تجىء يوم القيامة لتجديد اللّه ممدودة لك بالخير الذي قدمته .
هامش
( 1 ) عن عائشة رضى اللّه عنها قالت : قلت : يا رسول اللّه ، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين ، فهل ذلك نافعه ؟ قال : « لا ينفعه ، إنه لم يقل يوما : رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين » .
أخرجه مسلم في صحيحه ( 214 ) وأحمد في مسنده ( 6 / 93 ، 120 ) وقد أخرجه الحاكم في مستدركه ( 2 / 405 ) من طريق آخر عن عائشة وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي .