أما إذا كانت الدائرة قد دارت على المسلمين وهزموا في الحرب ؛ فهذه سيئة بالنسبة لكل مؤمن ، ولكن المنافقين يعتبرون الهزيمة لأهل الإيمان حسنة ، وسيقولون لأنفسهم : لقد كنا أكثر رجاحة في الفكر واحتطنا للأمر ، ولم نخرج معهم ولذلك نجونا مما أصابهم . والمصيبة في الحرب تكون في : الأرواح ، والرجال والمال ، والعتاد بالإضافة إلى مرارة الهزيمة .
ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :
إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ
وكأنهم قد احتاطوا قبل أن يبدأ القتال فلم يخرجوا ، وهم كمنافقين يمكن أن يفرحوا إن أصابت المسلمين كارثة أو مصيبة ، وهي هنا الهزيمة في الحرب . وسيقولون :
قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ
أي : قاموا بالاحتياط فلم يخرجوا للقتال ، بينما لم يحتط محمد وصحبه وجيشه . ثم يديرون ظهورهم ليخفوا فرحتهم .
وحين يقول الحق :
إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ
يوضح لنا أن أي نصر للإيمان يحزن المنافقين في نفوسهم ، ويصير هذا القول قرآنا يتلى ويتعبد به ويسمعونه بآذانهم ، بالله لو لم تحزنهم الحسنة التي ينالها المؤمنون ، ألم يكن ذلك دافعا لأن يقولوا : نحن لم نفرح ولم نحزن ؟
بالله حين يفاجئهم القرآن بالكشف عن خبايا نفوسهم بالقرآن ؛ ألم يكن ذلك داعيا لهدايتهم ؟
لقد عرف محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الغيب الذي في قلوبهم وفضح ضمائرهم وسرائرهم بعد أن أطلعه الحق على ذلك . ومع هذا أضمروا النفاق في قلوبهم وانتظروا مساءة تحل بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وصحبه .