تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5017

مساهمون:

ص٥٠١٧
فكأن الحق سبحانه وتعالى يشرّع حتى للخواطر قبل أن تخطر على البال ، ولا يترك الأمور حتى تقع ثم يشرّع لها . وهنا يقول المولى سبحانه وتعالى :
وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً
والعيلة هي الفقر ، ويتابع الحق جل وعلا :
فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ ،
ولم يقل الحق « سيغنيكم » بل قال :
فَسَوْفَ
وهي تقتضى زمنا سيمر ولكنه زمن قريب ؛ لأن الخير الذي سيأتي له أسباب كثيرة كفيلة بتحقيقه كأن يعوضهم اللّه عما كان يأتي به الكفار بأن تمطر السماء مطرا فينبت النبات ، وهذه تحتاج إلى زمن ، وأن يأخذوا بالأسباب بأن يروج لهم تجارة على غير المشركين ، أو يكشف لهم من كنوز الأرض ما يغنيهم . ولذلك قال :
فَسَوْفَ .
والأسباب تحتاج إلى وقت ، فنزلت الأمطار قرب جدة التي أسلمت ونبت الزرع في وادى خليط ، وتبالى باليمن وجرش وصنعاء ، وجاءت أحمال البعير بالخير لأهل مكة وحدثت الفتوحات الإسلامية ، فجاء الخير من الجزية والخراج . وهكذا نرى أن
فَسَوْفَ
امتدت لمراحل كثيرة ، وما زالت موجودة ممتدة حتى الآن . إذن : فقد أخذت الأمد الطويل . على أننا لا بد أن نلتفت إلى قول الحق سبحانه وتعالى :
وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً
هي حيثية بأن المؤمن عليه ألا يتهاون في أمر دينه رغبة في تحقيق أمر من أمور الدنيا ، فكل من يرتكب معصية خوفا من أن تضيع منه فائدة مادية أو دنيوية ، كأن يخشى قول الحق خوفا من أن يضيع منه منصبه ، أو يغضب عليه صاحب العمل فيطرده من وظيفته ، نقول له : لا عذر لك ؛ لأن اللّه سبحانه وتعالى قال :
وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ .
وحيث إن الرزق من عند اللّه سبحانه وتعالى ، وهذا هو كلام اللّه عز وجل ، فلا عذر لأحد أن يرتكب معصية بحجة المحافظة على رزقه ، أو بحجة أنه يدفع الفقر عن نفسه وبيته وأولاده .