إذن أراد اللّه أن يضمن بالعدل عرق وتعب كل واحد . فأوضح له أن ما تكسبه من حل هو ملك لك . لكن لله حق فيه ، وأنت لك الباقي ، حتى يجد الضعيف الذي لا يقدر على حركة الحياة من يقيته . ولذلك يحذرك المنهج الإيمانى بقوله : إياك أن تستكثر أن تدفع للضعيف ، لأن قوّتك التي استعملتها في تحصيل هذا المال إنما هي عرض لا يدوم لك ، فإن أخذنا منك وأنت قوىّ قادر على الحركة ، سنأخذ لك حينما تكون عاجزا لا تقدر على الحركة ، وذلك هو التأمين والعدالة .
وبالنسبة للأمة في تلك الآية
وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
فقد جاء في الآثار أن المراد بالأمة في هذه الآية الأمة المحمدية ، قال قتادة :
بلغني أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول : إذا قرأ هذه الآية : هذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها
« وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ »
« 1 »
ويخاطب النبي صلى اللّه عليه وسلم صحابته بقوله : هذه لكم ، أي في أمتكم ويؤكد ذلك قول اللّه سبحانه وتعالى :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
( من الآية 110 سورة آل عمران )
وكلمة " للناس " هنا تفيد أن الله لم يجعل خيرية الأمة المحمدية وهي أمة الإجابة للمؤمنين فقط ، بل جعل خيريتها للناس جميعا ؛ مؤمنهم وكافرهم .
وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
وذكر " أمة " لأن خصال الخير لا يمكن أن تجتمع في إنسان واحد ، بل كل واحد يأخذ لمسة من خير ، هذا فيه ذكاء ، وذاك فيه شجاعة ، وذاك عنده مال ، وذلك له خلق . فكأن الأمة المحمدية قد وجد في أفرادها ما يجمع المواهب
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير المجلد الثاني ، والطبري المجلد السادس .