هذا القول أيضا على أن فرعون لم يتعرض لموسى بأي أذى ؛ لأنه ما زال يعيش في رهبة اليقين وصولة الحق مما جعله متوجسا وخائفا من موسى ؛ لأن فرعون أول من يعلم أن مسألة ألوهيته كذب كلها ، ويعلم جيدا أن موسى على حق ، لكن إعلان انهزامه أمام الجمع ليس أمرا سهلا على النفس البشرية ، وسأل الملأ من قوم فرعون الذين اهتز أمامهم سلطانه ومكانته ، قالوا لفرعون : أتترك موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ؟ . أو فيما يبدو أن موسى وهارون تركا المكان بعد أن انتهيا من أمر السحرة ، ولم يقبض عليهما فرعون ؛ لذلك تساءل الملأ من قوم فرعون :
وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَ تَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ
( من الآية 127 سورة الأعراف )
و
« يَذَرَكَ »
أي يدعك ويتركك ، وكان فرعون يعتقد أن هناك آلهة علويين وآلهة سفليين ، وهو رب العالم السفلى كله . لذلك قالوا :
« وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ »
. وهناك قراءة أخرى « ويذرك إلاهتك أي عبادتك » . أي يتركك أنت ويترك عبادتك .
ويقول فرعون :
قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ .
وحتى تلك اللحظة لم يتعرض فرعون لموسى ، ولا يزال خوفه من موسى يمنعه من الاقتراب أو الدنو منه أو الاتصال به ولو بكلمة ، إنه يأخذ الحذر من أن يقدم على شئ ضد موسى ، فيفاجئه موسى مفاجأة ثانية . ويقال إن الثعبان الذي ظهر ساعة ألقى موسى عصاه فتح شدقيه واتجه إلى فرعون ، فقال : كف عنى وأومن بما جئت به . وهو أمر محتمل ؛ لأن فرعون حتى هذه اللحظة لم يجرؤ على الاقتراب من موسى ، وجاء بخبر قتل الأبناء وسبى النساء ولم يأت بسيرة موسى .
سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ
( من الآية 127 سورة الأعراف )
والقوى حين يملك القدرة على الضعيف لا يشد الخناق عليه شدّا ليفتك به ؛ لأنه يعرف ضعفه ، ويستطيع أن يناله في أي وقت ، لكن لو كان الخصم أمامك قويّا فأنت ترهبه بالقوة حتى يخضع لك . وهنا يقول فرعون :
وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ .