هذا الخضوع والخشوع والسجود للّه لن يعطيك فقط السيادة على الأجناس الأخرى التي تعطيك خير الدنيا ، ولكن وضع جبهتك ووجهك على الأرض يعطيك البركة في العمل ويعطيك خير الآخرة أيضا . والعاقل هو من يعرف أنه أخذ السيادة على الأجناس فيتقن العبودية للّه ، فيأخذ خيرى الدنيا والآخرة حيث لا يفوته فيها النعيم ولا يفوت هو النعيم ، أما في الدنيا فأنت تقبل عليها باستخلاف وتعلم أنك قد يفوتك النعيم ، أو تفوت أنت النعيم ، وحين تتذكر اللّه وتكون خاضعا للّه فأنت تنال البركة في حركة الاستخلاف .
وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ . .
( 29 ) [ سورة الأعراف ]
والمسجد مكان السجود ، وقال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « فضلت على الأنبياء بست :
أعطيت جوامع الكلم ، ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا ، وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون » « 1 » .
إذن فكل موضع في الأرض مسجد ؛ فإن دخلت معبدا لتصلى فهذا مسجد .
والأرض كلها مسجد لك . يصح أن تسجد وتصلى فيها . وتزاول فيها عملك أيضا ، ففي المصنع تزاول صنعتك فيه ، وحين يأتي وقت الصلاة تصلى ، وكذلك الحقل تصلى فيه ، لكن المسجد الاصطلاحي هو المكان الذي حبس على المسجدية وقصر عليها ، ولا يزاول فيه شئ آخر . فإن أخذت المسجد على أن الأرض مسجد كلها تكن
أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ
في جميع أنحاء الأرض . وإن أخذتها على المسجد ، فالمقصود إقامة الصلاة في المكان المخصوص ، وله متجه وهو الكعبة . وكذلك يكون اتجاهك وأنت تصلى في أي مكان . والمساجد نسميها بيوت اللّه ولكن باختيار خلق اللّه ، فبعضنا يبنى مسجدا هنا أو هناك . ويتجهون إلى بيت باختيار اللّه وهو الكعبة .
ولذلك كانت كعبة ومتوجها لجميع بيوت اللّه .
هامش
( 1 ) رواه مسلم والترمذي عن أبي هريرة .