و « وسوس » مأخوذة من الصوت المغرى ، لأن الوسوسة هي صوت رنين الذهب والحلى ، إذن فما قاله الشيطان لآدم وزوجه هو كلام مغر ليلفتهما عن أوامر رب حكيم .
وقوله الحق :
فَوَسْوَسَ لَهُمَا
يعطينا حيثيات البراءة لحواء ؛ لأن الشائع أن حواء هي التي ألحت على آدم ليأكلا من الشجرة ، وكثير منا يظلم حواء على الرغم من أن القرآن يؤكد أن الوسوسة كانت لآدم وحواء معا .
فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما
( من الآية 20 سورة الأعراف )
وهل وسوس الشيطان لهما ليبدى لهما ما وورى من سوءاتهما ، أو وسوس ليعصيا اللّه ؟ . لقد وسوس ليعصيا اللّه ، وكان يعلم أن هناك عقوبة على المعصية ، ويعلم أنهما حين يأكلان من الشئ الذي حرمه ربنا ستظهر سوءاتهما ، و « السوءة » هي ما يسوء النظر إليه ، ونطلقها على العورة ، والفطرة تستنكف أن يرى الإنسان المكتمل الإنسانية السوءة . وكأنهما في البداية لم ير أحدهما سوءة الآخر أو سوءة نفسه لأن الحق يقول :
لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما .
والسوءات أربع : اثنتان للرجل واثنتان للمرأة ، فكأن كل إنسان منهما لا يرى سوءتيه ، وكذلك لا يرى سوءتى الآخر ، لأن السوءات كلها لها ما يخفيها عن الرؤية ، وهذا كلام معقول جدا . ألم تقل سيدتنا أم المؤمنين عائشة - رضى اللّه عنها - : « ما رأيت ولا رأى منى » ، وفي هذا القول تتجلّى قمة الأدب لأنها لم تجئ حتى باللفظ ، لأن العضو ما دام سوءة فهو مبنى على الستر . وذلك حين حدّث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى اللّه حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين » « 1 » ، تعجبت السيدة عائشة فقال لها : « الأمر أخطر من أن ينظر أحد إلى أحد » .
هامش
( 1 ) رواه البخاري ومسلم .