هذا المقام قوله تعالى :
( وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً )
وهم قد أعطوا أضعافا مضاعفة من الجزاء الحسن ، ونقول : إن الفضل من الخلق غير ملزم لهم ، مثل من يستأجر عاملا ويعطيه مائة جنيه كأجر شهري ، وفي آخر الشهر يعطيه فوق الأجر خمسين جنيها أو مائة ، وفي شهر آخر لا يعطيه سوى أجره ، وهذه الزيادة إعطاؤها ومنحها فضل من صاحب العمل . أما الفضل بالنسبة للّه فأمره مختلف . إنه غير محدود ولا رجوع فيه . وهذا هو معنى
« وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً »
، فسبحانه لا يكتفى بجزاء صاحب الحسنة بحسنة ، بل يعطى جزاء الحسنة عشر أمثالها وإلى سبعمائة ضعف ، ولا يتراجع عن الفضل ؛ فالتراجع في الفضل - بالنسبة للّه - هو ظلم للعبد .
ولا يقارن الفضل من اللّه بالفضل من البشر . فالبشر يمكن أن يتراجعوا في الفضل أما اللّه فلا رجوع عنده عن الفضل .
وهو القائل :
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
( 58 )
( سورة يونس )
وأصحاب العمل الصالح مع الإيمان يدخلون الجنة مصداقا لقوله تعالى :
« فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً »
والنقير هو : النقرة في ظهره النواة ، وهي أمر ضئيل للغاية . وهناك شئ آخر يسمى « الفتيل » وهو المادة التي تشبه الخيط في بطن نواة التمر ، وشئ ثالث يشبه الورقة ويغلف النواة واسمه « القطمير » .
وضرب اللّه الأمثال بهذه الأشياء القليلة لنعرف مدى فضله سبحانه وتعالى في عطائه للمؤمنين .
ومن بعد ذلك يقول الحق :
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 125 ]
وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً ( 125 )