وكذلك الانتساب إلى الدين ، ليست المسألة أن يمتثل الإنسان وينتسب إلى الدين شكلا ، فالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم جاء ليحكم بين الناس جميعا ، ولا يمكن لواحد أن ينتسب شكلا إلى الإسلام ليأخذ المميزات ويتميز بها عن بقية خلق اللّه من الديانات الأخرى ، لا ؛ فالإنسان محكوم بما يدين به . والمسلم أول محكوم بما دان به .
كذلك قال الحق :
« لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ »
والخطاب هنا لمن ؟ . إن كان الخطاب للمؤمنين فالحق يوضح لهم : يا أيها المؤمنون ليست المسألة مسألة أماني ، ولكنها مسألة عمل ؛ لأن انتسابكم للإسلام لا يعفيكم من العمل ؛ فكم من أناس يعبرون الدنيا وتنقضى حياتهم فيها ولا يصنعون حسنة ، فإذا قيل لهم : ولماذا تعيشون الحياة بلا عمل ؟ يقولون : أحسنّا الظن باللّه . ونسمع الحسن البصري يقول لهؤلاء :
ليس الإيمان بالتمنى ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل ، إن قوما ألهتهم أمانىّ المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا : نحسن الظن باللّه وكذبوا ، لو أحسنوا الظن باللّه لأحسنوا العمل له .
وسبحانه يقول لهؤلاء :
« لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ » .
أما إن كان الخطاب موجها لغير المؤمنين ؛ فالحق لم يمنع عطاء الدنيا لمن أخذ بالأسباب حتى ولو لم يؤمن . أما جزاء الآخرة فهو وعد منه سبحانه للمؤمنين الذين عملوا صالحا ، وهو الوعد الحق بالجنة ، هذا الوعد الحق ليس بالأمانى بل إن الوصول إلى هذا الوعد يكون بالعمل .
إذن فقد يصح أن يكون الخطاب ب
« لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ »
شاملا أيضا الكفار والمنافقين وأهل الكتاب . وكان للكفار بعض من الأماني كقول المنكر للبعث :
وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً
( 36 )
( سورة الكهف )
هذه هي أماني الكفار . ولن يتحقق هذا الوعد بالجنة لأهل الكتاب ، فقد قال الحق عن أمانيهم :
لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى
( من الآية 111 سورة البقرة )