وحين يأتي سبحانه بأمر يتعلق بالكفار وعقابهم فالنفوس مهيأة ومستعدة لتسمع عن المقابل ، فإذا كان جزاء الكفار ينفر الإنسان من أن يكون منهم ، فالنفس السامعة تنجذب إلى المقابل وهو الحديث عن جزاء المؤمنين أصحاب العمل الصالح . وسبحانه قال من قبل :
فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
( من الآية 114 سورة النساء )
وهنا يقول :
« سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ » .
والمتيقن من اللّه والواثق به يعلم أنه لا توجد مسافة تبعده عن عطاء اللّه ، مثال ذلك حينما سأل النبىّ أحد الصحابة وكان اسمه الحارث بن مالك الأنصاري : ( كيف أصبحت يا حارث ؟ ) .
قال : أصبحت مؤمنا حقا . لقد أجاب الصحابي بكلمة كبيرة المعاني وهي الإيمان حقا ؛ لذلك قال الرسول : انظر ما تقول فإن لكل شئ حقيقة فما حقيقة إيمانك » ؟
أجاب الصحابي : عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت لذلك ليلى وأظمأت نهارى ، وكأني أنظر إلى عرش ربىّ بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها ( يتصايحون فيها ) .
فقال : « يا حارث : عرفت فالزم ثلاثا » « 1 » .
والحق ساعة يقول : « س » وساعة يقول : « سوف » فلكل حرف من الحروف الداخلة على الفعل ملحظ ومغزى وكل عطاء من اللّه جميل .
« وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ » .
والجنة - كما قلنا من قبل - على إطلاقها تنصرف إلى جنة الآخرة فهي الجنة بحق ، أما جنة الدنيا فمن الممكن أن يتصوّح نباتها وشجرها وييبس ويتناثر ، أو يصيبها الجدب ، أمّا جنة الآخرة فهي ذات الأكل الدائم ، وإن لم تطلق كلمة « الجنة » من
هامش
( 1 ) - رواه الطبراني في الكبير وأبو نعيم في الحلية . وضعفه الدارقطني وابن حبان .